سعى العلماء لحل مشكلة كبيرة تتمثل في أن منطقة السليمانية بالعراق تقع فوق واحدة من أنشط مناطق التصادم القاري في العالم (الجزيرة)

غالبًا ما يُستخدم تعبير “الصفيحة الساخنة” مجازيًا للإشارة إلى الأماكن التي تشهد تصاعدًا في التوترات السياسية أو الاجتماعية. لكن في شمال شرق العراق، في منطقة السليمانية، أصبح هذا التعبير حقيقة جيولوجية. تؤكد الأبحاث الحديثة المنشورة في مجلة “جورنال أوف آسيان إرث ساينسز” أن المدينة تقع على صفيحة جيولوجية نشطة، تتحرك وتتصدع باستمرار تحت ضغط اصطدام الصفيحتين العربية والأوراسية.

جمعت هذه الدراسة أحدث طرق الرصد الزلزالي وتحليل البيانات لتقديم أول خريطة مفصلة وموثوقة لطبقات الأرض في هذا الحزام التصادمي النشط. كما تشرح التأثير على فهم النشاط الزلزالي في المنطقة وثروتها المعدنية من النفط والغاز.

بدأ الباحثون عملهم بالسعي لحل مشكلة كبرى: تقع منطقة السليمانية في العراق فوق واحدة من أكثر مناطق تصادم القارات نشاطًا في العالم، وهي “حزام زاغروس”، حيث تصطدم الصفيحة العربية بالصفيحة الأوراسية. وعلى الرغم من النشاط الزلزالي الكبير، لم تكن هناك معلومات متاحة عن سمك القشرة الأرضية هناك، أو كيفية توزيع طبقاتها، أو مكان الحد الفاصل بين القشرة والوشاح (المعروف باسم “الموهو”)، أو ما إذا كان هذا الحد حادًا أم تدريجيًا.

سعى الباحثون للإجابة على هذه الأسئلة، مما أدى إلى إنجازات مهمة في تحديد مناطق منشأ الزلازل، وانتشار الموجات الزلزالية، وتقديم معلومات عن المواقع المحتملة لتجمع النفط والغاز.

تساقط الثلوج على جبل في السليمانية (صور ملتقطة بطائرة بدون طيار)

كيف أجاب الباحثون على الأسئلة؟

في دراستهم، استخدم الباحثون نموذجًا مبتكرًا لرسم خريطة لباطن الأرض تحت السليمانية. تم تحقيق ذلك من خلال دمج طريقتين زلزاليتين متكاملتين لأول مرة في المنطقة، جمعتا بين “تحليل الموجات الزلزالية” و”موجات رايلي السطحية”.

عندما يحدث زلزال في موقع بعيد، تنبعث منه موجات زلزالية. الأسرع منها تسمى “موجات P”، التي تمر عبر طبقات الأرض المختلفة في طريقها إلى محطة رصد زلزالي. تنعكس أو تنكسر عند حدود كل طبقة، متغيرة شكلها وسرعتها اعتمادًا على نوع الصخور التي تمر عبرها.

يعتمد أداة تحليل الموجات الزلزالية على قراءة “التشويه” الذي يلحق بتلك الموجة عند وصولها لفهم ما واجهته في رحلتها داخل الأرض. يمكن تشبيه هذه الطريقة بـ “الاستماع” لكيفية وصول الموجات الزلزالية إلى أجهزة الرصد. يخبر اختلاف شكل هذه الموجات العلماء بما تخفيه الأرض في أعماقها – طبقات الصخور والتصدعات العميقة – مما يسمح بفهم كيفية تشقق القشرة الأرضية تحت المنطقة.

لا تسير الموجات فقط داخل الأرض أثناء الزلازل؛ فبعضها يزحف على سطحها. هذه الموجات تسمى “موجات رايلي”، التي تتسبب في تموج الأرض صعودًا وهبوطًا وهي المسؤولة عن معظم الدمار أثناء الزلازل. سُميت على اسم العالم البريطاني اللورد رايلي، الذي وصفها علميًا. يمكن تشبيهها بتموجات الماء عند رمي حجر في بركة، لكنها تحدث على سطح الأرض بدلاً من الماء.

وفر الدمج المبتكر لهاتين الأداتين رؤية كاملة لما يحدث تحت الأرض. كل أداة زلزالية، إذا استُخدمت وحدها، تظل غير كافية لتحقيق هذا الهدف. تحليل الموجات الزلزالية العميقة ماهر في تحديد الحدود بين طبقات الأرض، مثل حدود القشرة والوشاح، لكنه لا يحدد بدقة سرع وخصائص الصخور.

في المقابل، تكشف الموجات الزلزالية السطحية بدقة عن سرعات الموجات داخل الصخور لكنها أقل قدرة على تحديد العمق الحقيقي لتلك الحدود. هنا جاء دور دمج الطريقتين، مما سمح بالتغلب على ما يُعرف علميًا بـ “مفاضلة السرعة-العمق” – الالتباس بين ما إذا كان التغيير بسبب عمق الطبقة أم طبيعة الصخور نفسها.

يمكن تشبيه هذا الدمج بأن يكون لدى شخص خريطة مدينة بدون مقياس مسافة، ولآخر مقياس بدون خريطة. كل يرى نصف الحقيقة فقط، لكن عند الجمع بينهما، تظهر خريطة واضحة ودقيقة لما هو مخفي تحت الأرض.

<img alt="أرشيف خريطة موجات زلزال تركيا وسوريا" data-recalc-dims="1" src="https://libyawire.org/wp-content/uploads/202

السليمانية

السليمانية مركز ثقافي واقتصادي رئيسي في إقليم كردستان العراق، تأسست عام 1784 على يد الأمير الكردي إبراهيم باشا بابان. تشتهر كمركز تاريخي للشعر والتعليم والقومية الكردية، وتضم مؤسسات مهمة مثل جامعة السليمانية ومتحف السليمانية.

العراق

العراق، المعروف تاريخيًا ببلاد الرافدين، يُطلق عليه غالبًا “مهد الحضارة” لكونه موطنًا لإمبراطوريات سومرية وبابلية وآشورية قديمة، كانت رائدة في الكتابة والقانون والتطور الحضري. دولة العراق الحديثة، التي تأسست في القرن العشرين، غنية بالمواقع التراثية الثقافية مثل مدينة بابل القديمة وآثار أور الأثرية، على الرغم من تضرر العديد منها بسبب النزاعات الحديثة. عاصمتها بغداد كانت مركزًا رئيسيًا للعصر الذهبي الإسلامي تحت الخلافة العباسية.

الصفيحة العربية

الصفيحة العربية هي صفيحة تكتونية كبرى تقع في الشرق الأوسط، وتشكل الأساس الصخري لشبه الجزيرة العربية. تشكلت من انقسام الصفيحة الأفريقية على طول البحر الأحمر منذ نحو 30 مليون سنة، وهي عملية انجراف قاري مستمرة حتى اليوم.

الصفيحة الأوراسية

الصفيحة الأوراسية هي صفيحة تكتونية كبرى تضم معظم قارة أوراسيا. تشكلت من خلال الاصطدام القديم لعدة كتل قارية أصغر وتستمر في التفاعل مع الصفائح المجاورة، مثل الصفيحة الهندية، التي خلقت سلسلة جبال الهيمالايا.

حزام زاغروس

حزام زاغروس هو سلسلة جبلية طيوية وانزلاقية كبرى في إيران والعراق، تشكلت من تصادم الصفائح التكتونية الأوراسية والعربية. هذه المنطقة ذات أهمية تاريخية كواحدة من أقدم مراكز الزراعة البشرية وموقع لحضارات قديمة مثل العيلاميين ولاحقًا الإمبراطوريات الفارسية.

تركيا

تركيا دولة عابرة للقارات تربط بين أوروبا وآسيا، بتاريخ غرق في حضارات الأناضول القديمة ولاحقًا كقلب للإمبراطوريتين البيزنطية والعثمانية. تشكلت هويتها الحديثة كجمهورية عام 1923 تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك. تشتهر البلاد بتراثها الثقافي المتنوع، الذي يشمل مواقع تاريخية مثل آيا صوفيا وأفسس، إلى جانب تقاليد فريدة في المطبخ والفن والعمارة.

سوريا

سوريا دولة في الشرق الأوسط بتاريخ غني كمهد لحضارات قديمة، بما في ذلك دويلات المدن المؤثرة مثل إبلا وأوغاريت والآثار الرومانية اللاحقة في تدمر. تشكل مشهدها الثقافي بعمق من خلال إمبراطوريات متعاقبة وهي موطن للعديد من المواقع التاريخية، على الرغم من تضرر العديد منها في السنوات الأخيرة خلال الحرب الأهلية المستمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *