على سواحل جنوب إفريقيا، في برك ضحلة تتغير ملوحتها شهرًا بعد شهر وتتعرض للجفاف والحرارة والبرودة، توجد تكوينات صخرية تبدو للعين مجرد نتوءات طبقية. لكنها في الواقع “أنظمة حية” بناها كائنات دقيقة منذ العصور القديمة.
تُسمى هذه التكوينات المذهلة “الميكروبيوليت”. وهي حصائر ميكروبية “تتحجر” ذاتيًا، أي أن نشاطها البيولوجي يتحول بمرور الوقت إلى طبقات صلبة من المعادن.

إسفنجات الكربون
أظهرت دراسة جديدة نُشرت في مجلة “نيتشر كوميونيكيشن” أن الميكروبيوليت في جنوب إفريقيا تمتص الكربون بكفاءة عالية وتحبسه في شكل كربونات الكالسيوم، وهو ترسب معدني مستقر وطويل الأمد.
بمعنى آخر، جزء من الكربون الذائب في الماء لا يبقى في دورة سريعة يمكن أن تعيده إلى الغلاف الجوي. بل يُحبس في الحجر، بفضل هذه البكتيريا المتحجرة.
هذا أمر مهم. نحن نعلم أن ثاني أكسيد الكربون هو الغاز الرئيسي المسؤول عن أزمة الاحتباس الحراري، لذا فإن امتصاصه سيساعد بلا شك في معالجة تلك المشكلة.
الفكرة الأساسية مشابهة لما تفعله الشعاب المرجانية، لكنها تُنفذ بواسطة الميكروبات. تمتص هذه الكائنات الدقيقة الكربون وتترسب المعادن، مكونة طبقات متعاقبة.
![شجرة البرازيل، الشجرة الوطنية للبرازيل، مستوطنة في غابة الأطلسي التي تواجه تهديدات من إزالة الغابات وتغير المناخ [ملف: برونا برادو/أسوشيتد برس]](https://libyawire.org/wp-content/uploads/2025/12/ss-3-1763971960.jpg)
نهارًا وليلًا
الجديد هنا أن فريق البحث ربط معدلات امتصاص الكربون والترسيب بالقدرات الجينية والوظيفية للمجتمع الميكروبي. لم يقيسوا فقط كمية الامتصاص؛ بل حاولوا فهم كيف يحدث ومن ينفذه داخل هذا المجتمع المعقد.
والأكثر دهشة أن الامتصاص لا يعتمد فقط على التمثيل الضوئي (الذي يتوقف ليلًا). تشير النتائج إلى أن التمثيل الضوئي يدعمه أيضًا آليات لا تعتمد على الضوء، مما يعني أن “مصنع عزل الكربون” هذا قد يعمل ليل نهار.
بناءً على تقديرات المعدل اليومي من الدراسة، يمكن لهذه الميكروبيوليت امتصاص ما يعادل 9 إلى 16 كيلوجرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل متر مربع سنويًا. هذا رقم صادم عندما تضع في اعتبارك أنه نظام طبيعي صغير يعمل في ظروف قاسية.
يقارن الباحثون ذلك بقولهم إن مساحة بحجم ملعب تنس مغطاة بهذه التكوينات يمكن أن تساوي الامتصاص السنوي لثاني أكسيد الكربون لما يقارب 3 فدادين من الغابة.
القيمة العلمية
لاحظ أن ما يحدث هنا ليس تخزينًا بيولوجيًا، حيث يُخزن الكربون في الكتلة الحيوية التي قد تتحلل وتعود إلى الطبيعة. بل هو تثبيت معدني، يتضمن تحويل “الكربون” إلى “كربونات” داخل طبقات تنمو بمرور الوقت.
هذا النوع من العزل أكثر استقرارًا. وهو أحد الأسباب التي تجعل الميكروبيوليت جزءًا من القصة الطويلة للأرض مع الكربون، وقصة الحياة نفسها.
هل يعني هذا أن هذه التكوينات القديمة تمثل حلاً سحريًا لمشكلة المناخ؟ الأمر ليس بهذه البساطة. تكشف الدراسة عن إمكانات طبيعية قوية، لكنها لا تدعي أننا نستطيع “تعويض” الانبعاثات العالمية بمجرد الاعتماد على هذه التكوينات. المساحة والتوزيع والحساسية البيئية عوامل حاسمة.
القيمة العملية الأكثر إلحاحًا اليوم هي فهم آليات العزل الطبيعي بدقة أكبر واعتبار هذه المواقع أنظمة تستحق الحماية لأنها تؤدي خدمة بيئية حقيقية، بالإضافة إلى قيمتها العلمية كواحدة من أقدم أشكال الحياة البنّاءة على الأرض.
في مرحلة مستقبلية، يمكن للعلماء تطوير المفهوم بشكل أكبر، ربما من خلال الابتكار في تقنيات “التمعدن الحيوي” التي تحاكي هذه


















































































































