تعمل شبكية عين الطائر بشكل شبه مستمر دون أكسجين، رغم كونها أحد أكثر أنسجة الجسم استهلاكًا للطاقة. وهذا يتناقض مع الفهم البيولوجي الراسخ بأن الخلايا العصبية البشرية لا تتحمل الحرمان من الأكسجين، وفقًا لنتائج دراسة جديدة نُشرت في 21 يناير في دورية “نيتشر”.
أظهرت النتائج أن خلايا الشبكية تعتمد على إنتاج الطاقة اللاهوائي، بينما لا يقوم هيكل غامض قديم يُسمى “المشط” بتزويدها بالأكسجين كما كان يُعتقد سابقًا. بل يقوم بنقل السكر إلى الشبكية وإزالة الفضلات الأيضية.
وفقًا للدراسة، يغير هذا الاكتشاف فهمًا استمر لقرون ويمكن أن يفتح آفاقًا جديدة لفهم تلف الأنسجة البشرية في حالات نقص الأكسجين، مثل السكتات الدماغية.

شبكية بدون أوعية دموية
في معظم الحيوانات، تُغذى الأنسجة العصبية بشبكة كثيفة من الأوعية الدموية الدقيقة التي تزود الخلايا بالأكسجين مباشرة. والشبكية – كونها امتدادًا مباشرًا للدماغ – ليست استثناءً؛ بل هي في الواقع أحد أكثر الأنسجة استهلاكًا للطاقة في الجسم كله. لكن الطيور مختلفة.
“شبكية عيون الطيور خالية تمامًا من الأوعية الدموية، وهي سمة يُعتقد أنها تمنحها ميزة بصرية مهمة، حيث لا تعيق الأوعية الضوء قبل وصوله إلى الخلايا الحساسة للضوء. ومع ذلك، تثير هذه الميزة سؤالًا مركزيًا: كيف تبقى الشبكية حية وتعمل بكفاءة دون أكسجين؟ وفقًا لكل ما نعرفه عن الفسيولوجيا، لا ينبغي لهذا النسيج أن يعمل على الإطلاق.”
لأكثر من 300 عام، افترض العلماء أن هيكلًا غريبًا (غني بالأوعية الدموية) داخل عين الطائر، يُعرف باسم “المشط”، يحل المشكلة ويزود الشبكية بالأكسجين.
لكن لم يُختبر هذا الافتراض مباشرة قط بسبب الصعوبة التقنية الشديدة لقياس مستويات الأكسجين داخل عين طائر حي دون التأثير على حالته الطبيعية. بعد سنوات من العمل، نجح الفريق أخيرًا في إجراء هذه القياسات الدقيقة.
“كانت النتيجة مفاجئة: المشط لا يزود الشبكية بالأكسجين على الإطلاق. في الواقع، يعمل حوالي نصف الشبكية في حالة من الحرمان المزمن من الأكسجين.”

من أين تأتي الطاقة؟
استخدم الباحثون تقنية متقدمة تُعرف باسم “النسخ المكاني”، والتي تسمح برسم خريطة دقيقة لنشاط الجينات داخل النسيج. كشفت النتائج أن الطبقات الداخلية للشبكية تعتمد بشكل شبه كامل على إنتاج الطاقة اللاهوائي، أي تحليل السكر دون استخدام الأكسجين.
يقول الفريق إن هذه الطريقة أقل كفاءة بكثير، حيث تنتج طاقة أقل بحوالي 15 مرة مقارنة بالمسار المعتمد على الأكسجين. وهذا أثار السؤال الأكثر إرباكًا: كيف يمكن لنسيج عالي الاستهلاك للطاقة أن يعتمد على نظام غير فعال إلى هذا الحد؟
أعادت هذه المفارقة العلماء إلى المشط، ولكن بدور مختلف تمامًا. أظهرت التحليلات أن هذا الهيكل يعمل كمحطة إمداد غذائي، وليس مصدرًا للأكسجين. فهو يضخ كميات كبيرة من السكر إلى الشبكية، ويساعد في المقابل على إزالة الفضلات الناتجة عن إنتاج الطاقة اللاهوائية. بعبارة أخرى، يزود المشط الشبكية بالوقود، وليس الهواء.
هذا الاكتشاف “يغير فهمًا استمر لقرون”. العلم لا يبني معرفة جديدة فحسب؛ بل عليه أحيانًا هدم التصورات القديمة تمامًا.
ما يحدث في شبكية الطائر يشبه، بطريقة معكوسة، ما يفشل في النسيج العصبي البشري أثناء السكتات الدماغية. المشكلة ليست فقط نقص الأكسجين، بل أيضًا تراكم الفضلات الأيضية – نفايات عملية تحويل الطعام إلى طاقة، مثل ثاني أكسيد الكربون، واليوريا (من البروتينات)، وحمض البوليك، والأملاح، والماء الزائد.









































































































































































































