تستند رواية "أصل الأنواع" الصادرة حديثاً إلى تحول جسدي يبدو بسيطاً على السطح، لكنه يتفرع سردياً وفلسفياً بسرعة، مفتتحاً آفاقاً للتأمل في المدينة واللغة والغرابة وعلاقة الفرد بعالم ينهار من الداخل.
في هذا الحوار، نسلط الضوء على هذا العمل، المتأهل للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الحالية، لنتعرف على خلفية كتابته والخيارات الجمالية لمؤلفه، وما يهدف إلى إثارته في قارئه.
- بداية، كيف تلقيت خبر وصول "أصل الأنواع" للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية؟ هل غيّرت هذه الترشيحات شيئاً في علاقتك بالرواية بعد صدورها، أم أن نظرتك إليها اليوم كما كانت لحظة انتهائك من كتابتها؟
لا شك أن جائزة البوكر مهمة، فهي تساهم بشكل كبير في انتشار الكتب التي تصل إلى قوائمها أو تفوز بها. وككاتب، أنا حريص على أن تصل أعمالي إلى القراء، فأنا أرى الكتابة فعلًا تشاركياً، يشبه الفنون الأخرى كالسينما والموسيقى. لكن علاقتي بكتابي محصورة في مرحلة الكتابة نفسها، وهي عملية طويلة وشاقة وممتعة.
حالما يغادر الكتاب المطبعة ويصل إلى المكتبات، أتعامل معه ككيان منفصل عني، دون أن أقطع الحبل السري.
أنا حريص على أن تصل أعمالي إلى القراء، فأرى الكتابة فعلًا تشاركياً يشبه الفنون الأخرى كالسينما والموسيقى
لذلك، أقرأ آراء القراء والنقاد بقدر ما أستطيع، وأقدر مدى صدى هواجسي وهمومي مع هواجس القراء، لكنني لا أتوقع شيئاً أكثر من ذلك. فإن حالفها الحظ وفازت بجائزة، فهذه من حسن حظ الكتاب، وإن لم تفز، فقد تحقق المكسب الحقيقي خلال عملية الكتابة نفسها.
-
العنوان لافت ويحمل حمولة فكرية وعلمية واضحة. كيف استقررت على "أصل الأنواع" عنواناً للرواية، وأي مسافة تفصل هذا العنوان عن مرجعيته العلمية المعروفة؟
الرواية تقوم على نظرية علمية معروفة وراسخة، هي نظرية التطور أو الانتخاب الطبيعي. وهذا الأساس له بُعد جمالي وفني، فالنظرية نفسها تبدو، في جوهرها، نظرية أدبية تخص الإنسان وأسئلته منذ بدء الكون.
دعني أُطلعك على أن هناك كتابة تنبع من الخوف، وهناك نصوص تدفعها الذعر. "أصل الأنواع" تنتمي إلى هذا النوع، فما يفعله الإنسان المعاصر في حياته، وكيف يساهم في خراب العالم، يمكن أن يكون ملخصاً مختصراً لإحساسي أثناء الكتابة.
هناك كتابة تنبع من الخوف، ونصوص تدفعها الذعر… روايتي "أصل الأنواع" تنتمي إلى هذا النوع
لكن الإنسان المعاصر، في الوقت نفسه، ليس منفصلاً عن الإنسان القديم، وإن مددنا خيط التطور في خط مستقيم، لكان الانتخاب الطبيعي فعلاً إنسانياً، وليس كارثة تحل به فجأة. بنظري، تبدو نظرية تشارلز داروين مجازاً، تحمل في داخلها تصورات هائلة عن هويتنا البشرية.
هذا المجاز يبدو لي أكثر فلسفية من كونه علمياً، وهذا المجاز هو ما عملت عليه في روايتي. إذا كانت الطبيعة البشرية في النظرية الداروينية تقوم على "الهجر"، فلم لا نستعير "الهجر" أفقاً لرواية تدور أحداثها في زمن يبدو الهجر (للهوية، الأصل، الحب، الكلمة) هو العقد الضمني بين الأفراد، والهجر الواضح بين السلطة والشعب، والهجر المرعب لموتانا وآثارهم؟























































































































































































































