دخل ملف الهجرة العلمية في الولايات المتحدة مرحلة أكثر تشددًا على مستوى الخطاب والتنفيذ (غيتي)

لم يعد تنقل العلماء بين الولايات المتحدة والصين مجرد هجرة فردية عادية تحركها دوافع شخصية. لقد أصبح جزءًا من مشهد أعمق لتنافس قوتين عالميتين على التمويل، وجذب العلماء، ونشر الأوراق البحثية، وذلك في مناخ سياسي وأمني يزداد حساسية في كل ركن من أركان العالم تقريبًا.

نتيجة هذا التنافس هي أن ما كان يُعتبر طبيعيًا قبل عقدين فقط – الدراسة في الولايات المتحدة ثم الاستقرار طويل الأمد في جامعاتها ومختبراتها – بدأ يتصدع لصالح العودة إلى الصين أو الانتقال إلى دول أخرى.

تشنغدو، مقاطعة سيتشوان، الصين - 17 سبتمبر 2017 : درجات البوابة ومدخل المبنى 10 من جامعة هواشي ويست تشاينا للعلوم الطبية

ما الذي حدث في واشنطن

في بداية عام 2025، دخلت قضية الهجرة في الولايات المتحدة مرحلة أكثر تشددًا على مستوى الخطاب والتطبيق. في 20 يناير 2025، صدر أمر رئاسي بعنوان “حماية الشعب الأمريكي من الغزو”، غيّر عمليات تنفيذ قوانين الهجرة وربط القضية صراحةً باعتبارات الأمن القومي والسلامة العامة.

هذا النوع من الأوامر لا يغير فقط نص القانون، بل يغير أيضًا مزاج وسلوك الجهاز التنفيذي اليومي، وهو ما ينعكس سريعًا على إحساس الباحثين الأجانب بالاستقرار وقدرة الجامعات على جذب المواهب دون خوف من تغيير مفاجئ للقواعد.

في يونيو 2025، اتخذ التشدد شكلاً أوضح عبر مسارين متوازيين. الأول كان توسيع نطاق الفحص الأمني لتأشيرات الدراسة والتبادل. أعلنت وزارة الخارجية أنها ستطبق فحصًا شاملاً، يشمل النشاط عبر الإنترنت لجميع المتقدمين للحصول على تأشيرات الطلاب والتبادل الأكاديمي. هذا يعني أن المراجعة لن تقتصر بعد الآن على المستندات الأكاديمية أو التمويل كما كان معتادًا، بل ستمتد إلى البصمة الرقمية.

ظهر المسار الثاني مع تقارير عن تجميد مؤقت لمواعيد المقابلات الجديدة لتأشيرات الطلاب والتبادل في أواخر مايو 2025، استعدادًا لتوسيع فحص وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا يشير إلى أن هذه القيود لم تعد نظرية بل لها تأثير مباشر على القبول الوظيفي.

ثم جاء تطور ملحوظ في يونيو 2025 مع الإعلان عن قيود على الدخول وإصدار التأشيرات ضد مواطني دول معينة، بسبب أوجه قصور في إجراءات الفحص وتبادل المعلومات. دخل هذا الإجراء حيز التنفيذ في 9 يونيو 2025.

في 19 سبتمبر 2025، صدر إعلان رئاسي يقيد دخول حاملي تأشيرة H-1B القادمين من خارج الولايات المتحدة، إلا إذا كان الطلب مصحوبًا بدفع 100,000 دولار ولمدة محدودة.

تسمح هذه التأشيرة لصاحب عمل أمريكي بتوظيف أجنبي في “وظيفة تخصصية” تتطلب عادةً درجة جامعية أو خبرة مكافئة. كانت هذه التأشيرة أداة لجذب المواهب إلى الولايات المتحدة، وأصبحت الآن مسارًا محفوفًا بالمخاطر المالية والتنظيمية.

إذا أردنا تلخيص موقف الحكومة الأمريكية في 2025 في جملة واحدة من منظور السياسات الفعلية، فهو ببساطة إعطاء الأولوية لمنطق “الردع” و”الفحص الأمني” المشدد على منطق الجذب والانفتاح.

الرئيس دونالد ترامب يشير إلى الحشد وهو يغادر المنصة بعد مخاطبة أعضاء الكونجرس الجمهوريين خلال اجتماعهم السنوي لوضع السياسات، الثلاثاء 6 يناير 2026، في واشنطن. (AP Photo/Evan Vucci)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Associated Press)

أسباب العودة

لكن الأمر لا يقتصر على الأحداث الأخيرة؛ بل له جذور أعمق. في تحليل بحثي يتتبع الانتماء المؤسسي للباحثين من خلال منشوراتهم العلمية، لوحظ أن أكثر من 19,000 عالم أمريكي غادروا إلى دول أخرى، بما في ذلك الصين، بين عامي 2010 و2021.

وجد التقرير أن نسبة المغادرين والمتجهين إلى الصين ارتفعت من 48% في 2010 إلى 67% في 2021.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *