الكاتبة والروائية الجزائرية عائشة بنور (الجزيرة)

توجد الرواية العربية اليوم في ذروة ازدهارها، بأصواتها وموضوعاتها المتنوعة، ولها مستقبل واعد، شرط الحفاظ على الجودة والعمق وسط النشاط النشر المكثف الذي تشهده الساحة العربية حالياً.

أدى التوسع الكبير في نشر الروايات إلى إضعاف قدرة النقد على مواكبة هذا الكم الهائل من الإصدارات. يبقى النقد ضرورياً لفرز الأعمال وتسليط الضوء عليها، لكن هذا يتطلب آليات ومناهج حديثة.

أما فيما يتعلق بالانتشار الواسع الحالي للرواية، فيعود ذلك إلى تفاعلها مع الواقع، وجرأتها في طرح الأسئلة، وقدرتها المستمرة على تجديد تقنياتها السردية. لقد أصبحت الرواية فضاءً حيوياً للتعبير الحر اليوم.

أدى التوسع الكبير في نشر الروايات إلى إضعاف قدرة النقد على مواكبة هذا الكم الهائل من الإصدارات.

تأصيل الحداثة والاستلهام من التراث

فيما يخص الموقف من التيارات الحداثية في الرواية وضرورة منهجية مستلهمة من التراث، هناك تأييد للانفتاح على المناهج الحديثة “ولكن دون أن نفقد جذورنا”. من المهم أن يكون هناك نقد ينبع من التراث ويتفاعل في الوقت نفسه مع المناهج العالمية بروح إبداعية.

على الرغم من الاعتقاد بأن الجوائز لا تصنع أدباً، وأن القيمة الحقيقية لأي رواية تكمن في نصها الأصلي، وليس في التكريمات التي تحصل عليها، إلا أن الجوائز الأدبية نجحت في لفت الانتباه إلى الروايات الجيدة ودعم انتشارها.

أما عن العلاقة بين السرديات العربية الكبرى والرواية الحديثة، فهناك روابط عميقة تربط بينهما. إن التراث السردي العربي غني بالحكايات والأسفار والخوارق، وهذا التراث هو الذي شكل الخيال الجمعي العربي، وبقي مرجعاً ثقافياً وجمالياً يستلهم منه الروائيون.

التراث السردي العربي غني بالحكايات والأسفار والخوارق، وهو الذي شكل الخيال الجمعي العربي.

الاستلهام من هذا التراث يعزز “خصوصيتنا وسط التحولات العالمية الكبرى، شرط توظيفه بروح جديدة غير مكررة”. من الجميل أن يلتقي الأصالة والحداثة في نص واحد.

رداً على سؤال عن الموقف من الروايات التاريخية وهل تشكل شكلاً من أشكال التاريخ، فإن الاستلهام من التاريخ يفتح آفاقاً إبداعية واسعة، لكنه لا يحول الرواية إلى وثيقة تاريخية. فالرواية التاريخية تعيد قراءة الماضي بروح فنية، لا وثائقية.

رداً على استفسار حول قدرة الروائيين على تجاوز نجيب محفوظ، فإن محفوظ يمثل مدرسة أدبية لا يمكن تجاوزها بل البناء عليها. لكل جيل إسهاماته ورؤاه. لكن هذا لا ينفي قيمة الرواد السابقين، خاصة شخصية بحجم وقيمة نجيب محفوظ، الذي كان لديه مشروع سردي متكامل رفع الرواية العربية إلى مصاف العالمية. لقد جمع بمهارة بين العمق الفلسفي والواقعية الإنسانية، وخلق أحياء وشخصيات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية للمجتمع. تبقى تجربته مرجعاً أساسياً لا يُتجاوز، وملهمة للأجيال القادمة.

كان لنجيب محفوظ مشروع سردي متكامل رفع الرواية العربية إلى مصاف العالمية.

نجيب محفوظ.. أول عربي يفوز بجائزة نوبل للأدب

جماليات اللغة والتوتر السردي

لا يوجد ميل لاستخدام اللغة العامية في الكتابات، مع تفضيل اللغة العربية الفصيحة لما تحمله من طاقة جمالية وسعة في التعبير.

يُلتجأ إلى اللغة العامية فقط عند الضرورة لإضافة لمسة شعبية خاصة، أو عند الاستقاء من التراث الشعبي وتوظيفه في النص، كما هو واضح في روايتي “ماتريوشكا – أقطان النفوس” و “سقوط فارس الأحلام”. فاللغة العربية الفصيحة تمنح النص السردي جمالاً وقيمة.

هذا لا يعني أن يكون الكاتب نحوياً بالضرورة، لكن يجب أن يكون متمكناً من اللغة العربية الفصيحة ويمتلك وعياً لغوياً يمكنه من كتابة نص متماسك وجميل.

أما عن مفهوم “شعرية الرواية”، فيقصد بها تلك الطاقة الجمالية التي تمنح السرد عمقاً وإيقاعاً، وتحول اللغة إلى فضاء عاطفي يمنحها التأثير والدهشة، دون أن تفقد الرواية واقعيتها وحيويتها.

“شعرية الرواية” هي تلك الطاقة الجمالية التي تمنح السرد عمقاً وإيقاعاً، وتحول اللغة إلى فضاء عاطفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *