هذا كتاب كبير، ليس من حيث حجمه المادي أو عدد صفحاته، بل من حيث اتساع رقعة استقصائه، والأسس التاريخية التي يبني عليها، والتقارير التي يستشهد بها، والقصائد والروايات التي يتوقف عندها، والأحداث التي يشير إليها، والأفكار التي ينادي بها.
وهو أيضًا محاسبة فلسفية تواصل حوارًا مع الفكر الفلسفي الغربي بدأ في أعمال سابقة، خاصة في كتاب “هل يستطيع غير الأوروبيين التفكير؟”، ويتقدم الآن في هذا العمل الأخير “ما بعد الهمجية”.
موضوع الكتاب هو غزة، بوصفها مأساة عصرنا، وما صارت تمثله كحالة معرفية وأرضية إبستمولوجية.
عندما يذكر المؤلف أن “غزة تمثل تحولًا معرفيًا في مستقبلنا الناشئ”، فهو يواجه الفكر النقدي الأوروبي بعماه التاريخي، ومراوغته السياسية، ومحدوديته العرقية.
هذا التقليد، الذي بشّر بالتحرير ذات يوم، يظهر هنا عاجزًا بنيويًا عن مواجهة العنف الاستعماري عندما لا يكون أوروبيًا ضد أوروبي.
الأطروحة المركزية لـ”ما بعد الهمجية” حاسمة: غير الأوروبيين لا يوجدون كبشر كاملين داخل المخيلة الفلسفية الأوروبية.
من كانط إلى هيغل، ومن هايدغر إلى هابرماس وأدورنو، يظهر “الآخر” المُعرّق إما كضجيج أنطولوجي، أو تهديد، أو فكرة أخلاقية مجردة، لكنه لا يظهر أبدًا كذات تاريخية.
يُبنى الكتاب على مقارنة بين ما يحدث في الواقع وما تتأمله الفلسفة؛ فمثلًا، يفتتح فصل “نظرية غير نقدية” بتقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة حول حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، المكتوب بعد الأشهر الخمسة الأولى من الحرب الأخيرة على غزة – تقرير مرعب مليء بلغة القتل والتشويه والنزوح واستحالة قدرة الأحياء على رثاء موتاهم.
يُقدّم هذا النص كشهادة إنسانية وكتهمة لفشل النظرية في التفكير بالعنف الاستعماري كبنية، وليس كاستثناء.
في قلب هذه التهمة تقف مدرسة فرانكفورت، خاصة الألمانيان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، اللذان يصبح أوروبيتهما فضيحة أخلاقية عند وضعهما في سياق تحالفاتهما السياسية الفعلية.
يذكرنا الكتاب بدفاع أدورنو وهوركهايمر العلني عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عندما وصفا جمال عبد الناصر بأنه “زعيم قبلي فاشي” ووصفا الدول العربية بأنها “دول قطاع طرق” تتربص بإسرائيل.
يتساءل الكتاب: لماذا خُصص هذا الوصف الإثنغرافي المهين لقائد عربي؟ لماذا لم تُوصف رموز الفاشية الأوروبية بنفس التعبيرات؟ الجواب يكمن في مخيلة حضارية عنصرية لم تتخلَّ عنها النظرية النقدية أبدًا.
الفلسفة التي شخصت تواطؤ عصر التنوير مع الهيمنة، بقيت عاجزة عن رؤية الهيمنة الاستعمارية عندما تحدث خارج أفقها الأوروبي، وظل “الغرب” مركز التاريخ الذي تُقاس عليه كل التجارب.
يستحضر الكتاب أيضًا حوارًا بين أدورنو وهوركهايمر أثناء صياغة ما أسموه “البيان الجديد”. يقول أدورنو: “نحن لا نعرف شيئًا عن آسيا”، فرد عليه هوركهايمر: “أعتقد أن أوروبا وأمريكا هما أفضل الحضارات التي أنتجها التاريخ من حيث العدالة”.
لقد رأيا الحضارة الغربية كقمة العدالة في لحظة كان العنصرية البنيوية في الولايات المتحدة نشطة بوحشية، والإمبراطوريات الأوروبية تمارس القتل والنهب والإخضاع في مستعمراتها. والمفارقة أن نظرية وُلدت من الشك الراديكالي في الحضارة الغربية تنتهي إلى الدفاع عنها كذروة التاريخ.
الحجة المقدمة ليست قراءة تقول إن هذه الفلسفة فشلت في الارتقاء إلى مُثُلها، ولا دعوة لإثرائها بأصوات غير غربية لجعلها كونية حقًا. إنها أطروحة أكثر جذرية: الفكر الأوروبي كان دائمًا، ولا يزال، خطابًا محليًا قبليًا متنكرًا في زي خطاب إنساني كوني، يُفرض عبر الغزو والاستعمار والتفوق العسكري.
هذا هو السبب في أن
غزة
غزة مدينة ساحلية تاريخية في الأراضي الفلسطينية، يعود تاريخ الاستيطان فيها لأكثر من 3000 عام، حيث حكمتها إمبراطوريات مختلفة شملت المصريين والفلسطينيين والرومان والعثمانيين. وهي مركز حضري شديد الكثافة السكانية وبؤرة مركزية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تواجه تحديات سياسية وإنسانية كبيرة في العقود الأخيرة.
الأراضي الفلسطينية
الأراضي الفلسطينية، التي تضم الضفة الغربية وقطاع غزة، هي أراضٍ احتلتها إسرائيل منذ حرب الأيام الستة عام 1967. يعد وضعها مركزياً في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث تمارس السلطة الفلسطينية حكماً ذاتياً محدوداً في أجزاء من الضفة الغربية بموجب اتفاقيات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي.
مصر
مصر موطن إحدى أقدم الحضارات في العالم، حيث يمتد تاريخها المسجل لأكثر من 5000 عام وتشتهر بمعالمها الفرعونية مثل أهرامات الجيزة وأبو الهول. يشمل إرثها الثقافي الثري مساهمات كبيرة في الكتابة والعمارة والدين، تأثرت لاحقاً بالفترات اليونانية الرومانية والقبطية المسيحية والإسلامية بعد فتوحاتها. ولا تزال حتى اليوم مركزاً تاريخياً وثقافياً رئيسياً في العالم العربي.
إسرائيل
إسرائيل دولة في الشرق الأوسط، أُقيمت كدولة حديثة عام 1948 بعد خطة تقسيم الأمم المتحدة. وهي وطن تاريخي للشعب اليهودي، وتحتوي على مواقع دينية مهمة لليهودية والمسيحية والإسلام، مثل حائط البراق وقبة الصخرة في القدس.
أوروبا
أوروبا قارة ذات تاريخ غني ومعقد، تشكلت عبر حضارات قديمة مثل اليونان وروما، وفترات تحولية مثل عصر النهضة والتنوير، وتأثيرات عميقة لحربين عالميتين. وتشتهر ثقافياً بإرثها الفني المتنوع ومعالمها المعمارية، وكونها مهد حركات مؤثرة في الفلسفة والعلوم والسياسة.
أمريكا
الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية اتحادية تأسست عام 1776 بعد إعلان الاستقلال عن بريطانيا العظمى. يمتد تاريخها من الحضارات الأصلية والاستعمار الأوروبي إلى أن أصبحت قوة عظمى عالمية، تشكلت عبر أحداث مثل التوسع غرباً والحرب الأهلية والهجرة واسعة النطاق. الثقافة الأمريكية مزيج متنوع من التأثيرات، وتشتهر بتأثيرها العالمي الكبير في مجالات مثل التكنولوجيا والترفيه والمُثل الديمقراطية.
الولايات المتحدة
الولايات المتحدة جمهورية اتحادية تأسست عام 1776 بعد إعلان الاستقلال عن بريطانيا العظمى، حيث أقامت نفسها عبر حرب ثورية واعتماد دستور عام 1787. نمت من ثلاث عشرة مستعمرة أصلية إلى قوة عظمى عالمية، وشكل تاريخها أحداث مثل التوسع غرباً والتصنيع ونزاعات داخلية كبيرة مثل الحرب الأهلية. ثقافتها المتنوعة هي نتاج الهجرة ودورها المؤثر في الجيوسياسة والعلوم والثقافة الشعبية في القرن العشرين.
مدرسة فرانكفورت
تشير مدرسة فرانكفورت إلى مجموعة من المنظرين الاجتماعيين والفلاسفة المرتبطين بمعهد البحوث الاجتماعية، الذي تأسس في فرانكفورت بألمانيا عام 1923. وهي أشهر بتطويرها “النظرية النقدية”، وهي مقاربة متعددة التخصصات لتحليل المجتمع والثقافة ونقدهما، والتي نشأت جزئياً كرد على صعود الفاشية وإخفاقات الماركسية الأرثوذكسية. اضطر العديد من أعضائها الرئيسيين، مثل ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، إلى المنفى خلال الحقبة النازية، مؤثرين لاحقاً في الفكر ما بعد الحرب في أوروبا وأمريكا.
المقرر الخاص للأمم المتحدة
المقرر الخاص للأمم المتحدة هو خبير مستقل تعينه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لفحص قضايا أو أوضاع بلدية محددة في مجال حقوق الإنسان والإبلاغ عنها. تتضمن هذه الوظيفة، التي أُنشئت في أواخر القرن العشرين، إجراء بعثات تقصي الحقائق، وتقديم المشورة للحكومات، وتقديم تقارير سنوية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها في جميع أنحاء العالم.