يعتقد عدد من محللي السوق والمؤثرين أن قرار المصرف المركزي الليبي بتفعيل بيع العملة الأجنبية عبر مكاتب الصرافة، رغم أهميته، لا يزال يحتاج إلى معالجة مؤسسية أعمق لضمان نجاحه ومنع تكرار إخفاقات الماضي.

يؤكد المحللون أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في مكاتب الصرافة نفسها، بل في خلل في الدورة المالية الحالية المتعلقة ببطاقات العملة. وقد أنتج هذا الخلل شبكة من الوسطاء وعمولات مرتفعة، مما أدى إلى خروج جزء كبير من النقد الأجنبي من النظام المصرفي الرسمي وخلق بيئة مناسبة لازدهار السوق الموازي.

ويلاحظ المحللون أن المواطنين أصبحوا مجبرين الآن على الحصول على حصصهم عبر قنوات غير رسمية وبعمولات مرتفعة، وسط ضعف الرقابة وتعدد طبقات الوساطة. وقد أثر ذلك سلباً على شفافية السوق وقدرة المصرف المركزي على التحكم في حركة العملة الأجنبية.

بحسب المحللين، فإن إسناد ملف بيع العملة الأجنبية لمكاتب الصرافة في صورته الحالية يحمل مخاطر حقيقية. أبرزها ضعف الجاهزية التشغيلية في عدد كبير من المدن، ونقص الكوادر المؤهلة، وارتفاع التكاليف، إضافة إلى ضعف الثقة في استمرارية السياسات النقدية. وهذا قد يؤدي إلى فشل التجربة عند أول موجة من الشكاوى أو المخالفات.

ويرى المحللون أن الحل العملي يكمن في إعادة هندسة الدورة المالية بشكل كامل. وذلك من خلال تمكين المواطن من حجز حصته إلكترونياً واختيار مكتب الصرافة، مع إجراء جميع التحويلات بين البنوك ومكاتب الصرافة والشركات داخل النظام المصرفي الرسمي بعمولات واضحة. وهذا سيضمن بقاء العملة داخل النظام المصرفي، ويقلل من دور السوق الموازي، ويفصل المواطن عن المضاربة.

ويؤكد المحللون أيضاً أن معالجة السوق الموازي لا يمكن تحقيقها دون دور مباشر وفعال للمصرف المركزي الليبي في إدارة سعر الصرف. وذلك من خلال دخول المصرف إلى السوق كمنظم فاعل، وتسعير الدولار لمكاتب الصرافة بسعر قريب من السوق الموازي مع فرض ضريبة متغيرة تعود إيراداتها إلى خزينة الدولة، وحقن العملة وفق آليات العرض والطلب للحد من الارتفاعات الحادة والمضاربة.

يختتم محللو الأسواق المالية بالتأكيد على أن دعوات وقف الاستيراد إلا عبر الدفع المصرفي الكامل غير قابلة للتطبيق حالياً، نظراً لمحدودية وسائل الدفع وضعف الجاهزية التشغيلية للبنوك. ويؤكدون أن القضاء على السوق الموازي لا يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، بل بمعالجة أسبابه الحقيقية، وإجراء دراسة دقيقة للدورة المالية، وتنظيم أدوار البنوك ومكاتب الصرافة ضمن سياسة نقدية واضحة ومستقرة.

المصرف المركزي الليبي

المصرف المركزي الليبي، ومقره طرابلس، هو السلطة النقدية الأساسية في البلاد، تأسس عام 1956 بعد استقلال ليبيا. لعب دوراً حاسماً ومثيراً للجدل في كثير من الأحيان في اقتصاد البلاد، خاصة خلال الحرب الأهلية عام 2011 وما بعدها، عندما نشأت مؤسسات موازية، مما أدى إلى نزاع طويل الأمد حول السيطرة على الأصول المالية الليبية.

ليبيا

ليبيا دولة في شمال إفريقيا ذات تاريخ غني متجذر في حضارات قديمة مثل الفينيقيين والرومان، تلاها قرون من النفوذ العربي والعثماني. في العصر الحديث، كانت مستعمرة إيطالية قبل أن تنال استقلالها عام 1951، وأصبحت لاحقاً معروفة بحكم معمر القذافي الطويل من عام 1969 حتى ثورة 2011. تضم البلاد مواقع تراث عالمي لليونسكو، مثل أطلال لبدة الكبرى، التي تشهد على إرثها التاريخي الهام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *