في قلب الفيزياء الحديثة تفصح نظرية الكم عن واقع أكثر غرابة مما نتصور (غيتي)

لقد اعتدنا على النظر إلى العالم كبنية مكتملة: جسيمات واضحة، وزمن يسير في خط مستقيم، وفضاء يحتضن كل شيء في صمت، ودورنا كمراقبين مجرد تسجيل لما يحدث. لكن ماذا لو أن هذه الصورة، بكل بساطتها المطمئنة، مضللة؟

في قلب الفيزياء الحديثة، تكشف نظرية الكم عن واقع أغرب مما نتخيل: واقع حيث الجسيمات ليست الأساس، والمراقب لا يحظى بأي امتياز خاص. بل تنبثق الظواهر من شبكة عميقة من العلاقات الكمومية. في هذا التقرير، ننطلق في رحلة هادئة عبر هذه الأفكار لإعادة التفكير فيما نعتبره بديهياً، بدءاً من القياس والملاحظة، إلى طبيعة الجسيمات، وحتى المعنى ذاته للزمان والمكان.

تُظهر محاكاة حاسوبية كيف يشوه شمسنا والأرض نسيج الزمكان، الممثل هنا بشبكة خضراء في هذه الصورة الصادرة في واشنطن في 11 فبراير 2016. اكتشف العلماء للمرة الأولى موجات الجاذبية، التموجات في الزمكان التي افترضها ألبرت أينشتاين قبل قرن، في اكتشاف تاريخي أُعلن عنه يوم الخميس يفتح نافذة جديدة لدراسة الكون. REUTERS/Caltech/MIT/LIGO Laboratory/Handout via Reuters للاستخدام التحريري فقط. غير معروضة للبيع لحملات التسويق أو الإعلان. هذه الصورة مقدمة من طرف ثالث. يتم توزيعها، كما استُلمت تماماً من رويترز، كخدمة للعملاء. لا إعادة بيع. لا أرشفة. TPX IMAGES OF THE DAY
النسبية العامة هي أحد أركان الفيزياء الحديثة (رويترز)

نص الترجمة

يشير الكثيرون إلى أن ميلاد ميكانيكا الكم بدأ على تلك الجزيرة الألمانية الصغيرة الخالية من الأشجار، هيليغولاند، التي زارها الشاب فيرنر هايزنبرغ في صيف عام 1925. هناك، رسم الملامح الأساسية لما سيصبح لاحقاً أحد ألمع وأنجح الأطر لتفسير الواقع. كان جوهر فكرته يدور حول اكتشاف ما قد يؤدي إليه المسار عند التركيز فقط على ما سيجده المراقبون عند قياس الجسيمات.

تلك اللحظة كانت الشرارة التي أشعلت شيئاً من العبقرية الحقيقية، إلا أنها حيرت الفيزيائيين أيضاً طوال قرن كامل. هذا الارتباك الذي اجتاح أذهان العلماء ينبع من أسئلة حول طبيعة المراقب، والحد الفاصل الذي يجعل فعل النظر نفسه “ملاحظة”، وهل يمكن تصور أن الواقع نفسه معلق على اللحظة التي نوجه فيها نظرنا نحوه!؟

في رأيي، حان الوقت للانتقال إلى ما وراء هذا العبث الميتافيزيقي. طوال مسيرتي المهنية، كنت منغمساً في التفكير في نظرية الكم، حتى اقتنعت أننا لسنا بحاجة إلى مفهوم “المراقب”، فمن غير المنطقي الاعتماد على وجوده. على أي حال، توصلت إلى طريقة أكثر اتساقاً ومنطقاً لتكون دليلاً لوصف العالم الكمومي، والتي أود مشاركتها معكم، إلى جانب 3 تجارب حاسمة يمكنها إثبات وجهة نظري.

النسبية العامة هي أحد ركيزتي الفيزياء الحديثة، بينما تمثل نظرية الكم الركيزة الأخرى (جامعة كورنيل)

لا مراقب ولا مُراقَب

على الرغم من أن هذا الإطار الجديد لفهم العالم الكمومي قد يحمل هالة من المنطق برأيي، إلا أنه يأخذنا إلى منطقة غير مألوفة. ليس المراقب فقط غائباً عن المشهد، بل الجسيمات نفسها غير موجودة. أما الزمان والمكان، فسنعود لمناقشتهما لاحقاً. لا شك أننا نخوض في مياه عميقة، لكن الغوص فيها يستحق، فربما يقودنا استكشاف أعماقها إلى ما قد يكمن وراء نظرية الكم في صورتها المعروفة.

لنبدأ بجولة سريعة في الفيزياء الحديثة وشبكة المشكلات المعقدة التي تغذيها. لم يظهر المراقبون فجأة مع ميكانيكا الكم؛ لقد كانوا ركيزة أساسية منذ زمن بعيد، حتى في صياغة أينشتاين للنسبية الخاصة والعامة. ترى النسبية العامة أن الزمان والمكان يندمجان في نسيج واحد، وأن انحناء هذا النسيج هو ما يولد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *