عند ذكر “الثقب الأسود”، يتبادر إلى الذهن فوراً تلك “الوحوش الكونية” التي تبتلع الضوء والنجوم. السؤال الذي سيطر على أذهان العلماء لعقود هو مدى خضوعها لقواعد ميكانيكا الكم التي تحكم عالم الذرات والجسيمات.
إحدى أهم قواعد عالم الكم هي أن لكل نظام كمي حالة أساسية، وهي أدنى مستوى طاقة يمكنه الوصول إليه. عندما يبرد النظام إلى أبرد درجة ممكنة، يستقر في هذه الحالة الأساسية، ويميل إنتروبيته (مقياس للاضطراب الداخلي للنظام) إلى الصفر تقريباً.
السؤال الذي حاول العلماء الإجابة عنه هو: هل تتصرف الثقوب السوداء، رغم جاذبيتها الهائلة، وفقاً لهذه القواعد الكمية أيضاً؟ بعبارة أخرى: هل لها حالة أساسية مستقرة مثل النظم الكمية الصغيرة؟
أشارت الحسابات التقليدية للعلماء إلى أن إنتروبية الثقب الأسود ستنقلب إلى “قيم سالبة”، وهي نتيجة غير منطقية علمياً تشبه القول إن مكتبتك الفارغة تحتوي على “سالب 10 كتب” بدلاً من “صفر”. وضع هذا العلماء في مأزق، دفعهم للتساؤل عما إذا كانت هذه الوحوش الكونية تتحدى قوانين الكم أم أن طريقة الحساب المستخدمة لم تكن تؤدي إلى النتيجة الصحيحة.

رحلة عبر أنفاق الزمكان
لحل هذا اللغز، استخدم الباحثون أدوات رياضية جديدة وقرروا فحص “المسارات السرية” التي قد يسلكها الزمكان نفسه في درجات الحرارة المنخفضة. تُعرف هذه المسارات في الفيزياء باسم “الثقوب الدودية”، وقد ساعد دمجها في الحساب على توضيح الصورة.
“الثقوب الدودية” هي ممرات تربط مناطق مختلفة من الزمكان. يمثل تضمينها في الحسابات مجموعات إضافية من الاحتمالات أو الطرق التي يمكن بها توزيع الطاقة والحالات الداخلية للثقب الأسود.
بعبارة أخرى، يسمح دمج هذه الثقوب الدودية بحساب أكثر دقة لجميع الترتيبات الممكنة للثقب الأسود، بما في ذلك الحالات الأكثر غرابة والمخفية. والنتيجة هي أنه بعد حساب تأثيرها، أصبح من الممكن حساب “الإنتروبيا شبه المتجمدة” بشكل صحيح.
أظهرت هذه الطريقة أن الإنتروبيا تظل موجبة وتميل إلى الصفر في أبرد الدرجات، مؤكدة أن للثقب الأسود حالة أساسية معزولة ويتصرف مثل أي نظام كمي طبيعي.
لفهم ما فعله الباحثون، تخيل أن لديك صناديق مملوءة بكرات، حيث تمثل كل كرة حالة طاقة محتملة داخل الثقب الأسود. في الحسابات التقليدية، حسب الباحثون الاضطراب أو الإنتروبيا بناءً على مجموعة محدودة فقط من الصناديق، مما يؤدي أحياناً إلى نتائج غير منطقية، مثل تحول الإنتروبيا إلى سالبة.
لكن العلماء أدركوا أن هناك مسارات خفية بين الصناديق، مثل الأنفاق الصغيرة التي تسمح للكرات بالانتقال من صندوق إلى آخر. تمثل هذه الأنفاق “الثقوب الدودية”. عندما أضاف العلماء هذه الممرات إلى الحسابات، أصبح من الممكن مراعاة كل ترتيب ممكن للكرات، بما في ذلك تلك “المخفية” سابقاً.
والنتيجة هي أن الحسابات أصبحت دقيقة، وأصبحت الإنتروبيا موجبة وتميل إلى الصفر في أبرد الدرجات، تماماً كما هو متوقع في النظم الكمية الطبيعية.
خطوة نحو فهم الجاذبية الكمية
يمثل هذا الاكتشاف تقدماً كبيراً في حل أحد أصعب الأسئلة في الفيزياء الحديثة: كيفية توحيد ميكانيكا الكم والجاذبية. تصف ميكانيكا الكم عالم الجسيمات الدقيقة بدقة، بينما تصف الجاذبية (النسبية العامة) حركة الأجسام الكبيرة جداً مثل النجوم والكواكب والثقوب السوداء. كان توحيد الاثنين صعباً للغاية دائماً.
بما أن العلماء أثبتوا أن للثقوب السوداء حالات داخلية دقيقة – أي أن لها “ترتيباً محدداً” على المستوى الكمي رغم جاذبيتها الهائلة – فإن الأمر يشبه اكتشاف أن لجسم ضخم تفاصيل دقيقة للغاية يمكن قياسها ودراستها، تماماً مثل الذرات والجسيمات.
يمكن أن تفتح هذه النتائج الباب للجمع بين ميكانيكا الكم والجاذبية لفهم ما يسمى “البنية الدقيقة للزمكان” – البنية الداخلية للكون في أصغر المقاييس – وكيف تتصرف المادة والطاقة على المستوى الكمي داخل الثقب الأسود.


















































































































