الطعام لا ينفصل عن المشاعر والذكريات، حيث يُنظر إلى الطعام بوصفه رمزا للرعاية والاهتمام والدفء الأسري (فري بيك)

يشعر الكثير من الناس بتردد أو شعور خفي بالذنب عندما يتوقفون عن الأكل قبل إنهاء ما تبقى في أطباقهم، حتى مع شعور واضح بالشبع. هذا السلوك، المعروف باسم “ذنب اللقمة الأخيرة”، لا يرتبط فقط بالعادات الاجتماعية أو آداب السلوك العامة، بل يمتد إلى جذور نفسية واقتصادية وثقافية معقدة.

وفقًا لتقرير، فإن الدافع الداخلي لإنهاء الطعام لا يعبر عن ضعف في الإرادة بقدر ما يعكس مزيجًا من برمجة عقلية قديمة واستجابات عاطفية تشكلت على مدى سنوات عديدة.

إرث “الصحن النظيف” وعقلية الندرة

يكمن أصل هذا الشعور في ثقافة “الصحن النظيف”، التي ترسخت في أجيال عاشت فترات من النقص الحاد في الغذاء، خاصة في أعقاب الحروب. كان إنهاء الطعام في تلك الأوقات يُعتبر مسألة بقاء، بينما كان إهداره يُنظر إليه على أنه سلوك غير أخلاقي.

تشير التقارير إلى أن هذه العقلية استمرت حتى مع تحسن مستويات المعيشة وزيادة وفرة الطعام، وهي الفترة التي زادت فيها أحجام الحصص الغذائية بشكل كبير. وعلى الرغم من هذا التحول، ظل ترك الطعام مرتبطًا في الوعي الجمعي بـ “الجحود”.

البُعد الاقتصادي: “مغالطة التكلفة الغارقة”

إلى جانب البُعد الثقافي، هناك ما يُعرف في الاقتصاد السلوكي باسم “مغالطة التكلفة الغارقة”، وهي الميل البشري لاستهلاك ما تم دفعه بالكامل، حتى لو لم تعد هناك حاجة جسدية له. وفقًا للتحليلات، يشعر الفرد أن ترك جزء من وجبة مدفوعة الثمن يمثل خسارة، على الرغم من أن الإفراط في الأكل لا يعوض المال المنفق وقد يؤدي بدلاً من ذلك إلى شعور جسدي بعدم الراحة وإحساس لاحق بالذنب.

تدعم الأبحاث هذا الرأي، مشيرة إلى أن تجاهل إشارات الشبع الطبيعية يرتبط بعوامل نفسية أكثر من ارتباطه بحاجة فسيولوجية حقيقية.

الأشخاص الذين يصرون على إنهاء كل ما في أطباقهم قد لا يسعون فقط لإشباع الجوع، بل لملء فراغات عاطفية أيضًا (FreePic)

الطعام كذاكرة وهوية عاطفية

الطعام لا ينفصل عن المشاعر والذكريات، حيث يُنظر إليه غالبًا كرمز للرعاية والمودة والدفء العائلي. من هذا المنظور، يمكن أن يبدو ترك الطعام في الطبق بمثابة رفض رمزي لتلك القيم.

يُشار إلى أن الأشخاص الذين يصرون على إنهاء كل ما في أطباقهم “قد لا يسعون فقط لإشباع الجوع، بل لملء فراغات عاطفية”، موضحًا أن الطعام يمكن أن يلعب دورًا مهدئًا ويساهم في إطلاق الإندورفين، وهو رأي تدعمه الأبحاث.

السيطرة والشعور بالإنجاز

يُشار إلى أن إنهاء الطعام يمكن أن يوفر شعورًا بالسيطرة والإنجاز، خاصة في عالم يتسم بعدم اليقين. يمكن أن يصبح تنظيف الطبق فعلًا بسيطًا يمنح إحساسًا بالإنجاز، حتى لو كان ذلك على حساب إشارات الجوع والشبع الطبيعية.

كيفية التعامل مع “ذنب اللقمة الأخيرة”؟

يقدم تقرير، بناءً على آراء مختصين في علم النفس والتغذية، مجموعة من النهج العملية للتعامل مع هذا الشعور. تشمل هذه النهج إعادة تعريف مفهوم “الهدر”، والتوقف أثناء الوجبة للتحقق من شعور الشبع، وتقليل أحجام الحصص، وممارسة “الأكل الواعي” كطريقة لاحترام احتياجات الجسم وليس كتقصير أخلاقي.

السلوك المعاكس: ترك لقمة واحدة

يشير التقرير أيضًا إلى أن بعض الأشخاص يتبنون السلوك المعاكس وهو ترك “لقمة واحدة” دائمًا في الطبق. وفقًا للتحليلات، قد يعكس هذا السلوك رغبة في السيطرة أو محاولة غير واعية لإثبات الانضباط، ويرتبط أحيانًا بالقلق أو صورة الجسد.

يُؤكد على أن هذا النمط يمكن أن يكون “تعبيرًا غير مباشر عن توتر داخلي أو حاجة نفسية للسيطرة على جوانب أخرى من الحياة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *