في تاريخ الأدب الغربي، قليلٌ ما كُتب عن الإسلام خارج ثنائيات الخوف والتشويه أو الفضول السطحي. لقرون، ترسخت الأحكام المسبقة والصورة النمطية عن الدين الإسلامي في الخيال الأوروبي، تتراوح بين “الآخر الغريب” الذي يدعو للسخرية والهجاء، و”العدو الحضاري” الذي يُنظر إليه بشكٍ وحذر.
لكن وسط هذه الضوضاء الفكرية، برزت بعض الأصوات التي اختارت أن تستمع بدل أن تحكم، أن تقترب وتتأمل، بدل أن تبتعد وتُصدر أحكاماً مسبقة.
ومن بين هذه الأصوات يتألق اسم فيكتور هوغو، الشاعر والروائي الفرنسي الكبير، الذي رأى في الإسلام تجربة إنسانية وروحية عميقة، تستحق أن تُقرأ كجزء من رحلته الشعرية والفكرية بحثاً عن المعنى الكوني للحياة والموت، والروح، والحرية.
فمؤلف “البؤساء” و”أحدب نوتردام” لم يكتب كتاباً مباشراً عن الإسلام، ولم يقدم أطروحة دينية أو دفاعاً عقائدياً، لكنه فعل شيئاً أعمق: فقد أدخل هذا الدين في شعره كقوة أخلاقية كبرى وكحضارة ساهمت في تشكيل الوعي الإنساني، تاركة أثراً عميقاً في التاريخ.
في نصوصه، لا يظهر الإسلام كـ”آخر” غريب، بل كينبوع تتدفق منه إجابات عن الأسئلة التي شغلت الشاعر طوال حياته: معنى الوجود، والعدالة، والنور، والمسؤولية الإنسانية.
وبينما امتلأ الأدب الغربي بأسماء كتّاب اختاروا الاصطفاف ضد الإسلام وأعلنوا بوضوح مخاوفهم من أفكاره “المظلمة”، مثل المستكشف الفرنسي الذي ربط الإسلام بالغرابة والتهديد، والمؤرخ الإنجليزي الذي قدّم الدين الإسلامي في إطار الصراعات السياسية والعسكرية، والشاعر الإنجليزي الذي عبّر عن ريبة من الشرق في قصائده، فإن قلائل فقط حاولوا الاقتراب منه كتجربة روحية متكاملة، وكان هوغو من هؤلاء القلائل.
ففي وقت كانت أوروبا تنظر إلى الشرق بريبة أو بشعور بالتفوق، رأى هوغو في الإسلام ديناً للتوحيد والكرامة، وفي النبي محمد شخصية إنسانية تحمل عبء الرسالة، لا أسطورة مشوهة ولا رمزاً للعداوة. وهذا في حد ذاته كان خرقاً مبكراً في جدار الصمت وسوء الفهم الذي طال علاقة الغرب بالإسلام في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
من هذه النقطة، تصبح دراسة الإسلام في أعمال هوغو أكثر من مجرد فضول تاريخي؛ إنها محاولة لفهم كيف يمكن للأدب أن يفتح نافذة على روح حضارة أخرى ويمكن رؤية مشتركة بين البشر عبر الزمان والمكان.
الصدمة والدهشة والتأمل
وُلد فيكتور ماري هوغو (1802-1885) في باريس لعائلة من الطبقة الوسطى لم تكن تهتم كثيراً بالممارسة الدينية، في فترة كانت المجتمع الفرنسي يمر بتحولات عميقة في أعقاب الثورة الفرنسية (1789).
نشأ في بيئة كاثوليكية، لكن آراءه الدينية سرعان ما تطورت إلى حالة من الروحانية المنفتحة على الأسئلة الكبرى حول المعنى والوجود. طوال حياته، ابتعد تدريجياً عن العقائد التقليدية وبدأ البحث عن مفاهيم أخلاقية وروحية تتجاوز التفسيرات الضيقة، مما وضعه في موقع فريد بين كتاب عصره.

يُلاحظ في مقدمة الطبعة العربية أن “نتاج هوغو، خاصة في شبابه، لم يخلُ من إشارات عديدة تدل على الخوف من الإسلام ونظرة تفوق متأثرة بالمنطق الاستعماري والتمركز الأوروبي، التي تجعل الإسلام مرادفاً للتطرف وتصوّر المسلمين كمجموعة خاضعة تحكمها الجهل وأسيرة الجمود.”
صدمة هوغو
لكن نقطة التحول الأساسية في المسار الديني لهوغو حدثت في سن الـ44، عندما قرأ ترجمة للقرآن الكريم. شكلت هذه صدمة فكرية وأدبية له في آن واحد، لحظة محورية ساهمت في تعميق إنسانيته وتوسيع أفق أدبه.
لم ينظر إلى القرآن مجرد نص ديني، بل كعمل لغوي وروحي فريد، مذهل في صوره، وعمق معانيه، وقوة خطابه الأخلاقي.
أعجبته لغة القرآن المكثفة التي تجمع بين السمو الروحي والبلاغة الشعرية.




















































































































































































































































































































































































