
يحيي الكتاب الجديد “ملحمة الهوامش” عالم طفولة مؤلفه، ليصبح سجلاً حياً للحياة اليومية في بلدة أردنية على حافة الصحراء. تنبثق القصص من الشارع والحي والمدرسة، حيث يلتقط الكاتب تفاصيل الحياة كما يعيشها الناس العاديون. تكشف هذه القصص كيف تتشكل الذاكرة الفردية، وكيف تتحول مع الزمن إلى ذاكرة جماعية للمكان والأجيال.
الكتاب عمل سردي فريد يمتزج فيه روح السيرة الذاتية والملحمة الساخرة مع وعي كاتب ناضج يستعيد صوت فتى مراهق كتب نصه الأول قبل نصف قرن.
يحتوي عنوان “ملحمة الهوامش” على مفارقة أساسية: جمع الملحمة التي ترمز للمركزية والعظمة والمطلق، مع الهامش الذي يرمز للعابر واليومي والهش. تعدّك هذه المفارقة لعمل يكتب الهوامش كجوهر الحياة ويهدم التراتبية التقليدية بين التاريخ الكبير والتاريخ الصغير.
يمزج الكتاب روح السيرة الذاتية والملحمة الساخرة مع وعي كاتب يستعيد نصاً كتبه في مراهقته قبل نصف قرن.
يعترف الكاتب في المقدمة بأنه عثر على مخطوطة قديمة كتبها في مراهقته بلغة “شبه طفولية”، وقرر نشرها بعد إصرار أصدقائه.
يشكل هذا العتبة إطاراً فوق سردياً يعيد تأطير النص؛ فنحن نقرأ عملاً قديماً داخل عمل جديد ونشهد لقاء الكاتب بذاته السابقة. وهذا ربّما ما يحوّل الكتاب من مجرد نص أدبي إلى وثيقة عن الذاكرة والكتابة، عن النضج والحنين.
البناء السردي بين اللوحة واللوح
ينقسم النص إلى “ألواح”، محاكياً ملحمة جلجامش الشهيرة في تقليد ساخر للملاحم القديمة. لكن كل لوح من هذه الألواح يحكي قصصاً صغيرة متجاورة تتداخل لتشكل بانوراما لبلدة أردنية على حافة الصحراء، بوجوهها ولهجتها وطقوسها اليومية.
تتراوح القصص بين التراجيدي والساخر، بين الطفولة والسياسة، بين أساطير الحي ومسرحيات السلطة. تمنح هذه التقنية النص بنية فسيفسائية، تقوم على التعددية والتشابك النصي، تذكّر بأعمال مثل “أرض البرتقال الحزين” و”الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل”، وإن كان بمزاج وبيئة مختلفين.
العالم المشيّد هنا يقوم على الواقعية الساخرة؛ يحكي أحداثاً تبدو واقعية تماماً لكنه يحملها بنبرة ساخرة تقوم بتفكيك السلطة الأبوية والدينية والسياسية.
تبدأ الملحمة بمشهد استقبال ضيف رسمي في بلدة نائية، حيث يتحول الحدث الوطني إلى مهرجان عبثي يجمع النساء والأطفال والجنود والكهنة.
من خلال تفاصيل دقيقة (أم خليل تضحك حتى الثمل، الدجاجة المجمدة، الدخان المتصاعد من القنديل، البندقية القديمة التي تطلق النار في الوقت الخطأ)، يبني الكاتب ملحمة للناس العاديين الذين يصنعون التاريخ الهامشي. هذه البطولة المنسية يتبناها الكاتب في مقابل أبطال الملاحم الكبرى.
يتحدث الراوي بصوت الفتى القديم، لكنه أيضاً يترك الشخصيات تتحدث بلهجاتها وسخريتها وتراثها الشعبي. تمثل كل شخصية شريحة من الوعي الجمعي للبلدة.
يعمل الكاتب على خلق ذاكرة جماعية يرويها صوت واحد متشظٍ، يذكر بتقنيات استخدمت في رائعة “الصخب والعنف”، لكن هنا بلغة دارجة مشحونة بروح المجتمع الأردني المحلي، حيث يصبح الحي مجازاً للبلد بأكمله.

التناص مع ملحمة جلجامش
يبدأ النص باقتباس من اللوح العاشر من ملحمة جلجامش: “إلى أين تمضي يا جلجامش؟ الحياة التي تبحث عنها لن تجدها أبداً…”




















































































































































































































































































































































































