"العاثيات" مصطلح يستخدم للإشارة إلى الفيروسات التي تصيب البكتيريا (يوريك ألرت)

في مختبر يطفو على بعد مئات الكيلومترات فوق الأرض في محطة الفضاء الدولية، لاحظ العلماء معركة مجهرية شرسة، حيث كانت الفيروسات تحاول قتل البكتيريا.

والمفاجئ أن المعركة سارت وفق قواعد مختلفة. فلم يتوقف العدوى، لكن سرعته ومساره التطوري انحرفا عن السيناريو الأرضي، كما ورد في منشور بمجلة PLOS Biology.

استخدمت الدراسة نموذجاً كلاسيكياً في علم الفيروسات: عاثية من النوع T7 تهاجم سلالات من الإشريكية القولونية. “العاثيات” مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الفيروسات التي تصيب البكتيريا.

لم يكن هدف التجارب مجرد فضول فضائي، بل اختبار فكرة عملية حول تأثير بيئة الجاذبية الصغرى في دفع العاثيات نحو حلول تكيفية مختلفة قد تفيد الطب على الأرض، خاصة مع تفاقم أزمة مقاومة المضادات الحيوية.

البكتيريا مسؤولة عن عملية تثبيت النيتروجين في التربة بتحويل النيتروجين الجوي إلى مركبات نيتروجينية (مثل الأمونيا)
صمم الفريق تجربتين متطابقتين تماماً لاختبار هذه المعركة بين البكتيريا والفيروسات (Shutterstock)

تجربتان متطابقتان

صمم الفريق تجربتين متطابقتين تماماً، واحدة على الأرض والأخرى في الفضاء. حُضّرت العينات داخل أنابيب محكمة الإغلاق عند 37 درجة مئوية لفترات قصيرة مدتها 1 و2 و4 ساعات، ولفترة طويلة (23 يوماً)، مما سمح بمقارنة الاشتباك الأولي بنتيجة الحرب بعد أسابيع.

على الأرض، تُعرف عاثية T7 بأنها سريعة وقاتلة. لكن في الجاذبية الصغرى، كان البداية أبطأ، مع ظهور إشارة على تأخر النشاط الفيروسي في العينات المدارية قبل أن ينجح العدوى لاحقاً.

سجل العلماء أيضاً طفرات جديدة تراكمت في الفيروس والبكتيريا، لكنها لم تكن النسخ نفسها التي تظهر في عينات الأرض. حملت الفيروسات المدارية طفرات من المرجح أنها تعزز العدوى أو الالتصاق بمستقبلات البكتيريا، بينما حملت البكتيريا طفرات قد تزيد من لياقتها للبقاء في الجاذبية الصغرى أو تحسن دفاعها ضد افتراس العاثية.

استخدم الباحثون أيضاً تقنية عالية الإنتاجية تُعرف باسم “مسح الطفرات العميق” لفحص “منظر اللياقة” لبروتين ارتباط المستقبلات في العاثية، وهو المفتاح الذي تستخدمه لدخول الخلية البكتيرية.

صورة مجهرية لمجموعة من بكتيريا Epulopiscium viviparus.
خريطة الطفرات المفضلة في ظل الجاذبية الصغرى اختلفت بوضوح في العدد والمواقع والتوجهات

نتائج حاسمة

كانت النتيجة حاسمة. اختلفت خريطة الطفرات المفضلة في ظل الجاذبية الصغرى بوضوح في العدد والمواقع والتوجهات عن الخريطة الأرضية، مما يشير إلى أن البكتيريا نفسها غيرت سطحها ومستقبلاتها.

وفقاً للدراسة، نجحت هذه المتغيرات في إصابة سلالات من الإشريكية القولونية المسببة لعدوى المسالك البولية والتي كانت تقاوم عادةً عاثية T7 في ظروف الأرض.

بطريقتها الخاصة، قدم الفضاء دفعة ابتكارية لمهندسي العاثيات، ليس من خلال سحر خارق للطبيعة، بل بتغيير قواعد التصادم في السوائل وعلم وظائف الأعضاء الخلوية، مما غيّر بالتالي مسار الانتقاء.

على الرغم من أن إرسال الميكروبات إلى المدار ليس وصفة سهلة أو رخيصة، إلا أن الرسالة العلمية مهمة. فهي تنص على أن الجاذبية الصغرى ليست مجرد اختبار تحمل، بل بيئة انتقائية مختلفة قد تكشف مسارات تكيفية غير واضحة بسرعة على الأرض. وهذا قد يفيد ابتكار علاجات بالعاثيات أقوى ضد البكتيريا المقاومة.

محطة الفضاء الدولية

محطة الفضاء الدولية (ISS) هي قمر اصطناعي مأهول في مدار أرضي منخفض، تمثل مشروعاً تعاونياً متعدد الجنسيات تقوده بشكل أساسي الولايات المتحدة وروسيا. بدأ بناؤها عام 1998، مع احتلال بشري مستمر منذ عام 2000، وتعمل كمختبر بحثي في بيئة الجاذبية الصغرى والفضاء.

الأرض

الأرض هي الكوكب الثالث من الشمس والجرم الفلكي الوحيد المعروف الذي يؤوي الحياة، بتاريخ جيولوجي يمتد لأكثر من 4.5 مليار سنة. تضم سطحها أنظمة بيئية متنوعة وكانت مهداً لتطور جميع الثقافات والحضارات البشرية المعروفة.

PLOS Biology

PLOS Biology هي مجلة علمية خاضعة لمراجعة الأقران ومتاحة للجميع، تأسست عام 2003 كمنشور رئيسي لمكتبة العلوم العامة (PLOS). تأسست لتوفير مكان مرموق للأبحاث البيولوجية المتاحة فوراً وبشكل مجاني للجمهور، مما يمثل تحولاً كبيراً في النشر الأكاديمي نحو الوصول المفتوح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *