فقد أظهرت التطورات العلمية أن النشط الدماغ منظّم في عدة شبكات رئيسية (غيتي)

مقدمة

قد يتبادر إلى ذهنك يوماً هذا السؤال المحير: من أين تأتي الصور التي تشكلها أذهاننا؟ كيف يمكن للعقل أن يبني عوالم غير موجودة في الواقع، ويسترجع ماضياً ولّى منذ زمن، بل ويصوغ احتمالات لمستقبل لم نصل إليه بعد؟

يقودنا هذا في رحلة عبر ثلاث شبكات عصبية مترابطة تشكل صورنا الذهنية، وتمنح البشر القدرة على التفكير بعيداً عن العالم المادي نحو عوالم أعمق وأكثر اتساعاً. هذه هي شرارة التميز التي اشتعلت في الوعي البشري، لتميزه عن سائر الكائنات.

يتساءل الخبراء عن قدرة الدماغ على التخيل (Pixabay)

النص الرئيسي

على عكس المعالجات الذهنية المتخصصة، لا تكشف فحوصات الدماغ عن منطقة محددة يمكن تسميتها “قشرة مكرسة للتخيل”. فالتخيل لا يسكن في زاوية معينة من أدمغتنا؛ بل هو نتاج مدخلات من جميع أنحاء الدماغ ومن أجزاء مختلفة من الجسم أيضاً.

نعلم جيداً أن التخيل لا يأتي في صورة واحدة، ولسنا جميعاً نختبره بنفس الطريقة. إلا أن علماء الأعصاب استطاعوا في السنوات الأخيرة فهم آلية تفاعل عناصر التخيل داخل الدماغ بشكل أوضح.

أظهرت تطورات التصوير الدماغي النشط، وتحديداً التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (تقنية تصوير متقدمة تستخدم لتحديد المراكز الدماغية الحيوية*)، أن الدماغ منظم في عدة شبكات رئيسية. تتبادل كل شبكة المعلومات داخل نطاقها مع الحفاظ على اتصال مستمر مع الشبكات الأخرى. وهذا يمكن الدماغ من التبديل بين أنماط التفكير المختلفة عبر اختيار الشبكة الأنسب لكل مهمة.

يعتمد تخيلنا على ثلاث شبكات محورية تلتقي معاً لتشكيل الصور التي تنبثق في أذهاننا. اكتُشفت الشبكة الأقرب إلى هذا العالم الداخلي بالصدفة في أواخر التسعينيات، عندما لاحظ علماء الأعصاب نمطاً متميزاً للنشاط الدماغي لدى متطوعين ينتظرون داخل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

بينما كانت أذهان المشاركين حرة وغير مركزة على مهمة محددة، بدأت مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة والمزاج والتأمل الذاتي في النبض بنشاط متزايد، مما يعكس حالة من الانغماس الذهني والتأمل في الذات الداخلية. عُرفت هذه الحالة باسم “شبكة الوضع الافتراضي”، وهي شبكة من الأعصاب تنشط بمجرد أن نمنح أذهاننا مساحة للتجول بحرية، والغوص في أرشيف الذاكرة، أو ترك أفكارنا تنجرف نحو المستقبل، أو الانغماس في أحلام اليقظة.

مع ذلك، ليست شبكة الوضع الافتراضي هي المساهم الوحيد فيما نسميه التخيل. حتى تظهر تأملات شبكة الوضع الافتراضي في الوعي البشري، يجب على الدماغ دمج “شبكة البروز”، والمعروفة أيضاً بشبكة الأهمية أو السيادة.

رأس ذكر مع نشاط دماغي - موجات دماغية - رسم توضيحي بالأشعة السينية ثلاثية الأبعاد لتخطيط أمواج الدماغ؛ Shutterstock ID 2673605105; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
الأفراد الذين يحققون درجات أعلى في اختبارات الإبداع لديهم اتصالات أقوى بين الشبكات الثلاث المسؤولة عن تشكيل التخيل في الذهن (Shutterstock)

تُشكل هذه الشبكة رابطة بين المناطق المسؤولة عن العاطفة والانتباه والدافع، وتعمل كمدير مشروع يميز بين المحفزات الخارجية والضوضاء الداخلية داخلنا، ليقرر في النهاية ما يستحق انتباهنا. فيما يتعلق بالتخيل، تلعب هذه الشبكة دوراً في تغذية الأفكار والذكريات الأساسية أو المفاجئة أو العاجلة لدرجة يصعب تجاهلها.

علاوة على ذلك، فإن شبكة البروز التي ناقشناها سابقاً هي المكان الذي تؤثر فيه المدخلات الجسدية على التخيل. (أي أن التخيل ليس نتاجاً للعقل وحده؛ فالجسد يشارك أيضاً*). تقع هذه الشبكة في الفص الجزيري، وهو جزء من الدماغ يعالج الأحاسيس الجسدية التي قد تكون مرتبطة بالحالات العاطفية. عندما تُشعل هذه الأحاسيس بواسطة خيالنا أو ذكرى ما، مثل تذكر تجربة مخيفة تزيد معدل ضربات قلبك، تتحول أفكارنا في تلك اللحظة، أو ما يدور في أذهاننا، إلى شعور نابض وواضح.

صحيح أن تفاعل شبكة الوضع الافتراضي مع شبكة البروز يخلق ما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *