الحديث عن جزيرة غرينلاند يأخذ دوما منحى اقتصاديا (رويترز)

غالبًا ما تتحول المناقشات حول جرينلاند إلى منحى اقتصادي، مركزة على ثرواتها المعدنية. ومع ذلك، يبدو أن هذه المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك تحمل أهمية تتجاوز ذلك، إذ يراها العلماء مختبرًا مفتوحًا في العديد من المجالات.

بينما كانت تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشراء الجزيرة تهز العالم في نوفمبر الماضي، استضافت جرينلاند مؤتمرًا سنويًا بعنوان “أسبوع العلوم في جرينلاند”، تحت شعار “كل الأنظار على جرينلاند”. وهذا يعني أن أهمية الجزيرة تمتد إلى ما هو أبعد من الأبعاد الاقتصادية، مما يجعلها محط أنظار الباحثين حول العالم.

تحذير مناخي قادم من جرينلاند

تشير تقارير إلى أن “تاريخ البحث العلمي في جرينلاند يشمل المعرفة المستمدة من الحكمة التقليدية لشعب الإينويت، والاستكشافات القطبية الأوروبية، والمهام العسكرية الأمريكية. وبحلول تسعينيات القرن الماضي، أصبحت مركزًا عالميًا لأبحاث تغير المناخ بعد أن حفرت فرق بقيادة أوروبية وأمريكية نوى جليدية عميقة في الصفيحة الجليدية في جرينلاند للكشف عن تغيرات المناخ الماضية.”

كانت الأبحاث التي أجريت على الجزيرة مفيدة للغاية في التحذير من عواقب تغير المناخ. يقيس علماء المناخ من جميع أنحاء العالم التغيرات في الصفيحة الجليدية لجرينلاند ويحللونها ويتنبأون بها، ويصدرون تحذيرات بشأن ذوبانها الكامل المحتمل. يمكن أن يؤدي هذا الذوبان إلى رفع مستوى سطح البحر العالمي بمقدار 7.4 أمتار. جاء آخر تحذير من هذا القبيل العام الماضي عندما فقدت الصفيحة الجليدية ما يقدر بنحو 129 مليار طن من الجليد. وهي مسؤولة عن حوالي 20% من الارتفاع الحالي في مستوى سطح البحر، أي ما يعادل 0.8 مليمتر سنويًا.

على الرغم من ارتباط الجزيرة بأبحاث المناخ، فإن وثيقة صادرة عن حكومة جرينلاند في عام 2022 وضعت أول استراتيجية بحثية لها، مؤكدة أن “جرينلاند هي أكثر من مجرد جليد ومؤشرات مناخية.”

ذكرت الوثيقة أن جرينلاند مهمة أيضًا لأبحاث الجيولوجيا والمعادن (مثل الليثيوم والمعادن الحرجة الأخرى). علاوة على ذلك، فهي موقع فريد لأبحاث الطب الوراثي وعلم الأحياء لأن سكانها الأصليين من الإينويت عاشوا في عزلة نسبية عن بقية العالم لآلاف السنين، مما أدى إلى تغييرات جينومية نادرة وفريدة.

تؤكد الوثيقة على ضرورة أن يكون البحث العلمي متجذرًا في جرينلاند، مستجيبًا للاحتياجات الاجتماعية، منفتحًا على التعاون الدولي، وأن تكون نتائجه متاحة للجميع.

الشفق القطبي (الأورورا بورياليس) يتوهج فوق مدينة نوك أثناء انقطاع التيار الكهربائي في 25 يناير 2026، في جرينلاند.

سفينة الأبحاث “تاراجوك”

أدت هذه الاستراتيجية إلى تبني مبادرات مهمة، أبرزها سفينة الأبحاث “تاراجوك”. تمثل أكبر استثمار بحثي لحكومة جرينلاند حتى الآن، حيث أطلقت في عام 2022 بتكلفة 235 مليون كرونة دنماركية (حوالي 37 مليون دولار)، بتمويل من الحكومة والمؤسسات الخاصة.

في أغسطس الماضي، خلال إحدى رحلاتها الاستكشافية العديدة، حملت “تاراجوك” وطاقمها فريقًا لدراسة تفاعل مياه ذوبان الجليد مع النظام البيئي الغني لأحد المضايق في شرق جرينلاند. سمحت مرونة السفينة للفريق بالإبحار بالقرب من حافة الجليد ونشر الأدوات العلمية لمواصلة المراقبة طويلة الأمد للتغيرات في هذا الجزء الحيوي من القطب الشمالي.

تشمل البنى التحتية الجديدة الأخرى موارد الحوسبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في جرينلاند، والتي تم تركيبها العام الماضي في معهد جرينلاند للموارد الطبيعية في نوك. تساعد هذه الموارد الباحثين في إجراء دراسات مثل تحديد وتصنيف الأنواع البحرية في بيانات الفيديو والصوت تحت الماء.

كانت مثل هذه المهام تستغرق سابقًا أسابيع أو شهورًا، لكن يمكن للعلماء الآن إجراء الدراسات بسرعة، مثل نمذجة وتوقع مواقع الأسماك والموارد البحرية الأخرى في المياه المحيطة بجرينلاند.

التعاون الدولي في خطر

يعتمد البحث العلمي في جرينلاند بشكل كبير على التعاون الدولي بين أوروبا والولايات المتحدة. ويخشى العلماء من أن النزاع السياسي الحالي حول جرينلاند قد يؤثر على هذا التعاون.

على الرغم من الإعلان في 21 يناير أنه لا نية لاستخدام القوة العسكرية لحيازة الجزيرة، إلا أن الرغبة في أن تحصل الولايات المتحدة على “سيطرة كاملة” عليها أعيد تأكيدها بعد تصريحات أدلي بها خلال رحلة العودة من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا.

من المتوقع أن تؤثر هذه التوترات على التعاون العلمي الدولي. عبر أحد علماء المناخ قائلًا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *