الأكاديمي البوسني الدكتور ميرزا سارايكتش من المشتغلين على تحليل الخطاب الاستشراقي في البلقان (الجزيرة)

وسط التحولات السياسية والثقافية التي تشهدها منطقة البلقان، برز الاستشراق الصربي كأداة أيديولوجية ذات أبعاد تمتد إلى ما هو أبعد من الشرق.

لفهم جذور هذا التوجه، أُجريت مقابلة لتفكيك بنية “الاستشراق الصربي”، الذي تجاوز البحث الأكاديمي ليصبح أداة أيديولوجية وعسكرية تستهدف وجود المسلمين في يوغوسلافيا السابقة.

صدرت عدة دراسات أكاديمية، أبرزها أول كتاب “غزليات أحمد خاتم أكوفالي زاده” بالعربية (2011)، الذي يتناول التراث الروحي والصوفي والأدبي للبوشناق.

يُذكر أن “الاستشراق الصربي يستمد مرجعيته المعرفية من الاستشراق الغربي الكلاسيكي”، مضيفًا أنه “متجذر بعمق في ضرورات جيوسياسية محددة لمنطقة البلقان، مشكلاً أداة خطابية وأيديولوجية في آن واحد”.

يُؤكد أن الصرب “يركزون على تجريد المسلمين داخل حدود يوغوسلافيا السابقة من الشرعية وإنسانيتهم، مستخدمين أدوات تتراوح من الوسائل السياسية والقانونية الصريحة إلى، في بعض الأحيان، الوسائل العسكرية”.

وفقًا للتحليل، صور المستشرقون الصرب المسلمين على أنهم “كائنات بلا روح”، “مخادعون بطبيعتهم”، “جهاديون يتربصون لغزو أوروبا”، و”إرهابيون متعطشون للدماء”.

هذا نص المقابلة:

  • كيف تُعرِّف الاستشراق الصربي في سياق البوسنة والهرسك؟

في هذا السياق، يعمل الاستشراق الصربي كنمط محلي لإنتاج المعرفة، يهدف إلى تعريف وتكريس صورة “المسلم البوشناقي” بوصفه “الآخر” المُجسد، ومن ثم تهميشه ثقافيًا وسياسيًا كتهديد لهوية الأغلبية الصربية.

على الرغم من أن هذا الاستشراق يستمد مرجعيته المعرفية من الاستشراق الغربي الكلاسيكي، إلا أنه متجذر بعمق في ضرورات جيوسياسية محددة لمنطقة البلقان، مشكلاً أداة خطابية وأيديولوجية تُستخدم لبناء صورة المسلم البوسني بوصفه “الآخر الحضاري”، الذي تُعرَّف وتتصلب في مواجهته الهوية الوطنية الصربية.

منذ ظهوره في القرن التاسع عشر وحتى اليوم، تطور الخطاب الاستشراقي الصربي كنموذج معرفي استراتيجي، لا يقتصر على بناء صورة المسلم “الآخر”، بل يعمل أيضًا على حشد الهياكل المادية والمؤسسية والمعرفية نحو أهداف سياسية عنيفة.

  • هل اختلف الاستشراق الصربي عن الاستشراق الغربي الكلاسيكي في أدواته وأهدافه؟

على الرغم من أن الاستشراق الصربي يستمد بنيته من التقاليد الاستشراقية الغربية، خاصة في تأكيده على ثنائية الإسلام-المسيحية، إلا أنه يختلف في قربه الجغرافي وأهدافه السياسية المباشرة.

فهو لا ينشغل باستشراق أو تحسين صورة الشرق، كما هو الحال في الكثير من الأدبيات الغربية، بل يركز على تجريد المسلمين داخل حدود يوغوسلافيا السابقة من الشرعية وإنسانيتهم.

يركز الاستشراق الصربي على تجريد المسلمين داخل حدود يوغوسلافيا السابقة من الشرعية وإنسانيتهم

تتكون أدواته من وسائل سياسية وقانونية صريحة، بل وعسكرية في بعض الأحيان، خاصة في أواخر القرن العشرين، حيث ارتبط هذا الخطاب ارتباطًا وثيقًا بأجهزة الدولة والمشاريع العرقية-القومية الصربية.

  • هل توافق على أن الاستشراق الصربي قد شكَّل وبرَّر ونشر الخطابات التي غذت فكرة القومية الصربية كقوة سياسية مهيمنة في البلقان؟

نعم، دون شك، لعب الخطاب الاستشراقي الصربي دورًا تأسيسيًا في تشكيل وتبلور النزعات القومية الصربية. فقد ساهم بشكل فعال في تصنيع “الآخر المسلم” وعرضه كخطر داهم يهدد الكيان المتخيل للأمة الصربية.

من خلال وسائل الإعلام والأدب والنصوص شبه الأكاديمية، وفر هذا الخطاب الإطار المعرفي والتبرير الأخلاقي لفكرة أن صربيا تمثل حصن الحضارة المسيحية في البلقان، مما شكل أساسًا لتبرير سياسات الإقصاء، ولاحقًا، الإبادة الجماعية.

هذا ليس تفسيرًا ذاتيًا أو حكمًا انطباعيًا، بل يستند إلى وثائق وسجلات عامة، بما في ذلك الخطب الرسمية والمطبوعات والمخرجات الإعلامية والأكاديمية للنخبة السياسية والعسكرية والفكرية الصربية.

البوسنة والهرسك

البوسنة والهرسك دولة في جنوب شرق أوروبا، ذات تاريخ غني ومعقد تشكل بتأثيرات سلافية وعثمانية ونمساوية-مجرية. تشتهر بتنوعها الثقافي والديني، ومواقعها التاريخية مثل ستاري موست (الجسر القديم) في موستار ومقابر شتفيتشي الحجرية من العصور الوسطى. عانت المنطقة من حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي بعد تفكك يوغوسلافيا، وخرجت منها كدولة مستقلة.

البلقان

البلقان هي منطقة جغرافية وثقافية في جنوب شرق أوروبا، تُعرف تاريخيًا كمفترق طرق للحضارات بين وسط أوروبا والبحر الأبيض المتوسط وآسيا الصغرى. يتسم تاريخها المعقد بتأثير الإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية والعثمانية، تلاها صراعات القرن العشرين المرتبطة بتفكك يوغوسلافيا.

يوغوسلافيا السابقة

كانت يوغوسلافيا السابقة اتحادًا اشتراكيًا في جنوب شرق أوروبا، موجودًا من عام 1945 حتى تفككه في أوائل تسعينيات القرن الماضي، مما أدى إلى سلسلة من الحروب وإنشاء عدة دول مستقلة. تأسست في الأصل بعد الحرب العالمية الثانية تحت قيادة جوزيب بروز تيتو، الذي حافظ على موقع فريد من عدم الانحياز خلال الحرب الباردة.

أوروبا

أوروبا قارة ذات تاريخ غني ومعقد، تشكلت بحضارات قديمة مثل اليونان وروما، والعصور الوسطى، وعصر النهضة، وأحداث حديثة تحويلية شملت الثورة الصناعية وحربين عالميتين. ثقافيًا، تشتهر بتراثها الفني المتنوع، ومعالمها المعمارية، وبكونها مهد حركات مؤثرة في الفلسفة والعلوم والسياسة. اليوم، تضم العديد من مواقع التراث العالمي لليونسكو وتنظم سياسيًا جزئيًا عبر الاتحاد الأوروبي.

صربيا

صربيا دولة في البلقان ذات تاريخ غني كمملكة في العصور الوسطى وجزء مركزي من يوغوسلافيا السابقة. تشمل مواقعها الثقافية دير ستودينيتسا الرائع، وهو موقع تراث عالمي لليونسكو تأسس في القرن الثاني عشر، وقلعة بلغراد التاريخية التي تطل على ملتقى نهري الدانوب وسافا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *