شهدت واشنطن الأربعاء الماضي اجتماعاً وزارياً دولياً رفيعاً جمع 55 دولة لمناقشة مستقبل سلاسل التوريد. تعكس هذه اللحظة تحول هذه القضية من مسألة صناعية تقنية إلى عنصر هيكلي لاستقرار الاقتصاد العالمي.
لم يعد النقاش يدور فقط حول حجم الإنتاج أو تنويع مناجم المعادن النادرة، بل أيضاً حول كيفية عمل السوق نفسه وكيفية إدارة المخاطر المرتبطة بتركيز القدرات الصناعية في حلقات محددة من سلسلة القيمة، وفقاً لتقارير عن الاجتماع والتطورات المرتبطة به.
تعاملت الدول المشاركة في الاجتماع الوزاري بوزارة الخارجية الأمريكية مع المعادن الأرضية النادرة كمدخلات استراتيجية تؤثر على الطاقة المتجددة، والنقل الكهربائي، والصناعات الرقمية، والتطبيقات الدفاعية.
يأتي هذا النهج في سياق بيانات تُظهر زيادة مطردة في تركيز عمليات التكرير والمعالجة. تشير التقديرات إلى أن حصة أكبر ثلاث دول في تكرير المعادن الاستراتيجية ارتفعت من حوالي 82% في 2020 إلى 86% في 2024، مع بقاء الصين اللاعب الأكبر داخل هذه المجموعة، وفقاً لتحليلات تركيز سلاسل التوريد للمعادن المرتبطة بالطاقة النظيفة.
ومع ذلك، لا ينبغي قراءة هذا التركيز فقط كنتاج لقرارات سياسية أحادية الجانب؛ فهو مرتبط أيضاً بعوامل الكفاءة الصناعية، وانخفاض تكاليف الإنتاج، والخبرة التقنية المتراكمة، والبنية التحتية المتكاملة. هذه عناصر غالباً ما تُذكر في تقارير القطاع والتحليلات الاقتصادية الدولية عند تفسير هيمنة دول معينة في قطاعات صناعية محددة.
لذلك، تعكس التحركات الأخيرة إعادة توزيع للمخاطر داخل نظام اقتصادي مترابط، وليس انفصاماً حتمياً أو مواجهة محصلتها صفر. يتوافق هذا الوصف مع قراءات مؤسسية أوسع لطبيعة التشابك في سلاسل القيمة العالمية.
كفاءة التسعير واستقرار الاستثمار
ناقش الاجتماع مفهوم “الأسعار المرجعية”، الذي يهدف إلى تقليل التقلبات الحادة لأسعار المعادن الأرضية النادرة التي تعوق الاستثمار طويل الأجل. يرى بعض صانعي السياسات هذه الآلية كأداة تثبيت مالي تمنح المستثمرين رؤية أوضح للعوائد المتوقعة، خاصة في قطاع يتطلب استثمارات رأسمالية بمليارات الدولارات وفترات تطوير طويلة، وفقاً لتغطية المقترحات المتعلقة بإعادة تنظيم سوق المعادن الحيوية.
تواجه مشاريع المعادن النادرة خارج الصين صعوبة في جذب التمويل عندما تشهد الأسعار انخفاضات حادة، مما يؤدي إلى توقف المشاريع قبل بدء الإنتاج التجاري. هذه مشكلة يسلط عليها المحللون الضوء غالباً عند مناقشة دور تقلب الأسعار في تعطيل الاستثمار في السلع كثيفة رأس المال.
على العكس من ذلك، لا تعني الأسعار المنخفضة بالضرورة وجود إغراق للسوق؛ فقد تنتج أيضاً عن وفورات الحجم، أو انخفاض تكاليف الطاقة، أو كفاءة سلسلة التوريد. هذه عوامل هيكلية تُستخدم عادةً لشرح فروق التكلفة بين الدول في الصناعات الاستخراجية والتجهيزية.
يُظهر هذا التباين أن النقاش يدور حول حدود التدخل الحكومي في تصحيح إخفاقات السوق دون خلق تشوهات جديدة.
تعكس تحليلات السوق هذا النقاش، وتسليط الضوء على وجهتي نظر:
- ترى الأولى أن استقرار أسعار المعادن النادرة شرط لبناء قدرات إنتاجية خارج المراكز المهيمنة.
- تحذر الثانية من مخاطر تسييس التسعير وإضعاف إشارات السوق.
مركز الثقل الصناعي
تركز الدراسات الصناعية على حقيقة أن حلقات هذه الصناعة ذات القيمة المضافة الأعلى (الفصل الكيميائي، التكرير، إنتاج السبائك، وتصنيع المغناطيسات) تمثل مركز النفوذ الحقيقي. تتطلب هذه المراحل تقنيات متخصصة، واستثماراً رأسمالياً مكثفاً، والامتثال لمعايير بيئية صارمة.
تشير البيانات إلى أن الصين تسيطر على ما بين 85% و90% من قدرة تكرير العناصر الأرضية النادرة عالمياً، بينما تزيد حصتها في عناصر الأرض النادرة الثقيلة عن 95%. تعكس هذه الأرقام مساراً صناعياً طويل الأمد، وليس تطوراً ظرفياً.
تُظهر تحليلات المشاريع المخطط لها خارج الصين أن القدرات الجديدة في المعالجة والمغناطيسات تبقى محدودة مقارنة بالطلب المتوقع. يعني هذا أن عملية إعادة التوازن ستستغرق سنوات، حتى مع وجود دعم قوي للسياسة الصناعية.
التشابك والاعتماد المتبادل
تعكس بيانات التجارة صورة أكثر تعقيداً من مفهوم “الاعتماد الأحادي الجانب”. تعتمد أمريكا وأوروبا واليابان على الصين في بعض المدخلات الوسيطة، بينما تعتمد الصين على الأسواق المتقدمة لبيع المنتجات النهائية عالية القيمة المضافة.



















































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































