في فيزياء الجسيمات، هناك لحظات نادرة وحاسمة للغاية تُكسر فيها قواعد ظل العلماء يعتقدون لزمن طويل أنها ثابتة. وهذا بالضبط ما يطمح إليه تجربة “MACE” الجديدة، التي تسعى للكشف عن تحول فائق الندرة يُوصف بأنه شبه “مُحرَّم” في إطار النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات.
يُقاد المشروع بواسطة فريق دولي تتصدره مؤسسات صينية، بما فيها جامعة صن يات-سين ومعهد الفيزياء الحديثة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، ويرتبط بزخم مرافق البحث الكبرى في هويتشو مثل منشأة معجل الأيونات الثقيلة عالية الكثافة ومبادرة النظام الصيني المُقاد بالمُعجِّل.

تفاعل خاص
في هذا التفاعل، كما يشرح العلماء، يتحول ذرة غريبة تسمى “الميوونيوم” إلى توأمها من المادة المضادة، المسمى “أنتيميوونيوم”. إذا حدث هذا أمام أعين الكواشف، فسيكون دليلاً مباشراً على فيزياء جديدة تتجاوز ما نعرفه اليوم.
المادة المضادة هي المرآة الكمومية للمادة العادية. فلكل جسيم معروف، يوجد نظير مضاد له له نفس الكتلة لكن بشحنة كهربائية وعلامات كمومية معاكسة. فالإلكترون السالب له نظير موجب يسمى البوزيترون، والبروتون الموجب له بروتون مضاد بشحنة سالبة. عندما تلتقي المادة بالمادة المضادة، يحدث إفناء متبادل، محولاً كتلتهما إلى طاقة.
أما الميوونيوم، فهو ليس عنصراً مثل الهيدروجين أو الهيليوم، بل يشبه ذرة مؤقتة، تتكون من ميوون موجب مرتبط بإلكترون. والميوون هو جسيم شبيه بالإلكترون لكنه أثقل بكثير ويعيش لفترة قصيرة جداً قبل أن يتحلل.
لذلك، يُولَّد الميوونيوم بسرعة ويختفي بسرعة، مما يجعله مختبراً ممتازاً لفحص القوانين الأساسية بدقة، لأنه يمكن حساب سلوكه نظرياً بدقة عالية ثم مقارنته بالملاحظات التجريبية.

خرق النموذج القياسي
في تجربة “MACE”، الأمر أشبه بالبحث عن “إبرة” في كومة قش. لا يكفي أن يحدث التحول مرة واحدة؛ بل يجب إثبات أنه حدث بالفعل.
لذلك، تنتج التجربة عدداً هائلاً من ذرات الميوونيوم باستخدام حزمة ميوونات قوية، ثم تستخدم مادة خاصة (هلام السيليكا الهوائي) لزيادة كفاءة تكوين هذه الذرات وانبعاثها المناسب للقياس.
بعد ذلك، يراقب العلماء بصمة محددة إذا حدث التحول إلى الأنتميوونيوم. هذه البصمة تتكون من انبعاث إلكترون عالي الطاقة، وتوجه بوزيترون منخفض الطاقة نحو الكواشف، وظهور فوتونات مميزة تُنتج عندما يفنى البوزيترون مع إلكترون. إن اجتماع هذه العلامات معاً يعطي العلماء الثقة بأنهم شاهدوا الإشارة الحقيقية للتحول المحرم، وليس مجرد ضوضاء خلفية.
الكشف عن هذا “التحول المحرم” يعني خرق مبدأ مهم في النموذج القياسي يُعرف بحفظ نكهة اللبتون. ببساطة، هذا يعني أن “هوية” اللبتونات الأساسية لا تتغير خلال التفاعلات المعتادة؛ فالإلكترون يبقى إلكتروناً، والميوون يبقى ميووناً، والتاو يبقى تاو، وكذلك الحال بالنسبة للنيوترينوات المقابلة لها. الأمر أشبه وكأن لكل نوع بطاقة أو نكهة تمنع القواعد القياسية للطبيعة من تحويله من نوع إلى آخر.
لذلك، فإن أي عملية تحول مثل “التحول المحرم” هي مؤشر قوي على فيزياء جديدة تتجاوز ما يسمح به النموذج القياسي، وبالتالي هناك حاجة للبحث عن نظرية جديدة تشرح البنية الدقيقة للكون.









































































































































































































