رواية "نبض اللحظات الأخيرة" للروائي سعيد أبو غزة توثق واحدة من أكثر اللحظات قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر (الجزيرة)

غزة– تبرز رواية “نبض اللحظات الأخيرة” كعمل أدبي وإنساني يستحضر إحدى أقسى لحظات التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث تتداخل الحرب مع الطب، ويتعايش الموت مع الحب، ويختبر الدمار القيم الإنسانية في أقصى حدودها.

تستلهم الرواية أحداثاً حقيقية وقعت خلال الحرب، لكنها لا ترتكن إلى التوثيق المباشر فحسب، بل تُقدَّم ضمن بنية سردية متعددة الأصوات، ما يمنح النص بعداً فنياً وعاطفياً أعمق ويفتح الباب للتساؤل عن معنى الإنسانية في زمن الانهيار الكلي.

يُؤكد أن الرواية لا تهدف إلى تسجيل الوقائع بقدر ما تسعى للغوص في التجربة النفسية والأخلاقية لشخصياتها، خاصة أولئك الذين وجدوا أنفسهم في خط المواجهة: الأطباء والممرضات والمسعفون والجرحى. ومن خلال هذه الشخصيات تطرح العمل سؤاله المركزي: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على جوهره الأخلاقي في لحظة تنتهك فيها الحياة نفسها؟

تروي رواية 'نبض اللحظات الأخيرة' قصصاً حقيقية من فناء مستشفى تحت القصف

ذوبان الحدود بين المدني والعسكري، الحياة والموت

تقع أحداث رواية “نبض اللحظات الأخيرة” في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث تشكل المستشفيات، ولا سيما مستشفى الأمل التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إلى جانب مستشفى الخير، الإطار المكاني الرئيسي. وقد تم اقتحام كلا المستشفيين فعلياً من قبل الجنود.

أما الزمن في الرواية فهو زمن حرب مفتوحة بلا أفق، تذوب فيها الأيام والليالي تحت القصف، ويصبح الوقت نفسه عدواً إضافياً يطارد الجميع.

يُقدَّم المستشفى في الرواية ليس مجرد مكان مخصص للعلاج، بل ككائن حي يئن تحت الحصار، وشاهد مباشر على الجريمة. حيث تستحضر غرف العمليات والممرات الضيقة وسيارات الإسعاف والركام المحيط بلغة سينمائية مكثفة تجعل القارئ جزءاً من التجربة، وليس مجرد متلقٍ لها.

في هذا الفضاء، يُقال، تذوب الحدود بين المدني والعسكري، وبين الحياة والموت، مما يجعل فعل إنقاذ الجريح عملاً مقاومةً بحد ذاته.

طبيبة تواجه خيارات استثنائية

تتعامل الرواية مع شخصية الدكتورة يسرى، التي تمثل القلب النابض للعمل السردي. فهي ليست بطلة أسطورية، بل امرأة عادية تجد نفسها أمام خيارات استثنائية: البقاء في المستشفى المحاصر أو إنقاذ نفسها، إنقاذ الجرحى أو حماية عائلتها. تختار يسرى البقاء، ليس بدافع البطولة، بل اقتناعاً عميقاً بأن التخلي عن الجرحى هو تخلي عن ذاتها.

إلى جانب يسرى، تُرسم لوحة إنسانية عريضة، تضم أطباء وممرضين يواصلون عملهم رغم الإرهاق وعدم توفر المعدات، وأطفالاً جرحى فقدوا عائلاتهم ويبحثون عن الأمان بين أحضان طبيبة. كما تبرز شخصيات جرحى ومقاومين يواجهون الموت بكرامة، يودعون أحباءهم في لحظات عابرة، إلى جانب أمهات ومسعفين وسائقي إسعاف يمثلون الامتداد الشعبي للمأساة. كما تُكشف شهادات لأطفال يروون قصص هروبهم من الموت سيراً على الأقدام، من شمال غزة عبر حاجز الاحتلال الإسرائيلي المرعب.

في المقابل، تقدم الرواية شخصية الضابط الإسرائيلي كنقيض أخلاقي، ليس كخصم تقليدي، بل كصورة للفراغ القيمي. ويتجلى هذا التناقض حين تهتز نفسه بسبب عبارة منقوشة على قلادة شهيد: “العاشق لا يستسلم”، لتصبح الجملة شرخاً داخلياً يكشف هشاشة منطق القوة العارية.

الحب والمقاومة

تقترح الرواية مفهوماً عميقاً للحب كأداة مقاومة. ففي قلب الدمار، يولد الحب بين الجرحى ومن ينقذونهم، بين الناجين الذين يتشاركون الخبز والذاكرة. هذا الحب ليس هروباً من الواقع، بل هو تأكيد على الحياة في مواجهة آلة الموت. العبارة المنقوشة “العاشق لا يستسلم” تتحول من مجرد شعار إلى فلسفة وجودية تتبناها الشخصيات، مما يجعل الرواية تحية لكل من يحافظ على إنسانيته تحت القصف.

غزة

غزة مدينة ساحلية تاريخية في الأراضي الفلسطينية، يعود تاريخ الاستيطان فيها إلى أكثر من 3000 عام، مما يجعلها واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم. حكمتها إمبراطوريات عديدة، بما في ذلك المصريون والفلسطينيون والرومان والعثمانيون. وهي اليوم منطقة حضرية كثيفة السكان والمدينة الرئيسية في قطاع غزة.

خان يونس

خان يونس مدينة رئيسية في جنوب قطاع غزة، اشتهرت تاريخياً كمحطة قوافل استراتيجية وبقلعتها القديمة من العصر المملوكي، خان يونس، التي بُنيت عام 1387. في التاريخ الحديث، كانت مركزاً سكانياً مهماً وشهدت صراعات كبيرة، خاصة خلال النزاعات الإسرائيلية الفلسطينية.

مستشفى الأمل

مستشفى الأمل منشأة طبية رئيسية في مدينة غزة، فلسطين، أنشئت أصلاً من قبل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في أواخر تسعينيات القرن العشرين. لعب دوراً حاسماً في تقديم خدمات الرعاية الصحية للسكان المحليين، خاصة خلال فترات الصراع والأزمات الإنسانية في المنطقة.

جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني

جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني (PRCS) منظمة إنسانية تأسست عام 1968، تقدم خدمات طبية واجتماعية في الأراضي الفلسطينية والشتات. تعمل كجزء من الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، ولها تاريخ في تقديم الاستجابة للطوارئ والرعاية الصحية وخدمات الإسعاف، خاصة خلال فترات الصراع والأزمات.

مستشفى الخير

مستشفى الخير منشأة رعاية صحية خاصة تقع في جدة، المملكة العربية السعودية، أُنشئت لتقديم مجموعة من الخدمات الطبية للمجتمع المحلي. تاريخها متجذر في التطور الأوسع لقطاع الرعاية الصحية الخاص في السعودية خلال أواخر القرن العشرين، مما وسع نطاق الوصول إلى الرعاية المتخصصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *