الرسائل النصية ليست الوسيلة الأفضل للتواصل دائما إذ قد توسع فجوة سوء الفهم بين الطرفين (شترستوك)

لم يعد التواصل مع العائلة أو الأصدقاء في عالمنا اليوم يتطلب لقاءً أو حتى مكالمة هاتفية، حيث تتربع الرسائل النصية على عرش أكثر الوسائل استخدامًا. مع ارتفاع معدلات القلق الاجتماعي، خاصة بين الأجيال الشابة، يفضل الكثيرون الاختباء خلف الشاشات، لدرجة أن رنين الهاتف قد يسبب القلق أو الدهشة للبعض.

لكن هل فكرنا يومًا فيما نفقده عندما نستبدل أصواتنا بنصوص صامتة؟

لماذا تفشل الرسائل أحيانًا في نقل المشاعر؟

لقد أصبحت جزءًا أساسيًا من تواصلنا اليومي، أداة سريعة وفعالة للمواقف البسيطة والتبادلات العاطفية الخفيفة. إلا أنها تفقد الكثير من فعاليتها عندما يتعلق الأمر بمواضيع أكثر حساسية وعمقًا. يؤكد خبراء التواصل أن الاستخدام الأمثل للرسائل النصية يظل محصورًا في الجوانب اللوجستية، مثل تحديد المواعيد أو الاطمئنان السريع، إلى جانب دورها كمساحة تمنح الطرف الآخر وقتًا للتفكير قبل خوض نقاشات جادة.

في المقابل، يمكن أن تلعب الرسائل دورًا تمهيديًا للحوار، حيث تكون نقطة دخول هادئة لمناقشات أعمق عبر عبارات بسيطة مثل: “هل يمكننا التحدث لاحقًا؟”، مما يفتح باب التواصل دون مواجهة مباشرة أو مفاجأة عاطفية.

ومع ذلك، تظل الرسائل النصية وسيطًا محدودًا، تفتقر إلى نبرة الصوت التي تشكل جوهر المعنى في التواصل البشري. فالكلمات المكتوبة، مهما بدت واضحة، تظل عُرضة لسوء الفهم في غياب النبرة الصوتية ولغة الجسد وتعبيرات الوجه. حتى الجمل المحايدة قد تُقرأ على أنها باردة أو حادة، تبعًا للحالة النفسية للمستقبل أو توقعاته المسبقة، مما قد يجرح المشاعر ويعقد النزاعات بدلاً من حلها.

وعلى الرغم من محاولات تعويض هذا النقص باستخدام “الإيموجي” أو علامات الترقيم، إلا أن هذه الطرق لا تضمن دائمًا نقل المعنى المقصود. وغالبًا ما تنشأ نزاعات طويلة بسبب كلمة واحدة أسئ فهمها أو علامة ترقيم وُضعت خارج السياق.

يعزو الخبراء ذلك إلى ما يُعرف بـ “التحيز السلبي”، حيث يميل العقل تلقائيًا لتفسير الرسائل الغامضة بشكل سلبي في غياب نبرة الصوت. فكلمة بسيطة مثل “حسنًا” قد تُفهم على أنها تعبير عن الضيق أو الغضب، بينما سماعها بنبرة هادئة يحمل معنى القبول والرضا.

واحدة من أخطر سلبيات المحادثات النصية هي أنها تُستخدم أحيانًا كأداة لتفريغ المشاعر القاسية، حيث يختبئ البعض خلف الشاشة ليقذفوا كلمات جارحة، متجنبين مواجهة الأثر المباشر لتلك الكلمات على مشاعر الطرف الآخر وتعبيرات وجهه ونبرة صوته.

يساعد التواصل الصوتي أو اللقاءات وجهًا لوجه في بناء الألفة ونقل المشاعر بصدق (شاترستوك)

متى تكون الرسائل النصية هي الخيار الأفضل؟

على الرغم من محدودية الرسائل النصية في نقل المشاعر العميقة، إلا أنها تظل أداة تواصل فعالة ومريحة في سياقات معينة، بل وتكون بمثابة ملاذ آمن للبعض. فبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي أو الحساسية المفرطة، توفر المراسلة نوعًا من “الدرع الواقي” الذي يمنحهم شعورًا بالسيطرة والقدرة على صياغة أفكارهم دون ضغط الرد الفوري.

عمومًا، يُفضل الاعتماد على المراسلة فقط في الحالات التالية:

  • التنسيق والترتيبات اللوجستية: مثل ترتيب المواعيد، أو تبادل العناوين، أو وضع خطط سريعة.
  • التحديثات اليومية الروتينية: مشاركة تفاصيل عابرة غير مشحونة عاطفيًا.
  • التواصل الاجتماعي الخفيف: مثل تبادل عبارات الترحيب الصباحية، أو الاطمئنان على شخص مريض دون إزعاجه بمكالمة قد ترهقه.
  • مشاركة اللحظات المرئية: إرسال الصور ومقاطع الفيديو التي تعبر عن ذكرى مشتركة أو موقف مضحك.

علاوة على ذلك، تلعب الرسائل النصية دورًا حيويًا في “إدارة الأزمات العاطفية” قبل تفاقمها، حيث تكون أداة لتهدئة النزاع وتفريغ المواقف المشحونة. فبدلاً من الاستمرار في جدال لفظي محتدم، يمكن لرسالة قصيرة مدروسة مثل: “أريد التحدث، لكنني أحتاج بعض الوقت الآن لأهدأ وأرتب أفكاري” أن تكسر دائرة الهجوم والدفاع، مما يمنح كلا الطرفين فرصة للتروي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *