تقدم روايته “الأقنعة”، وهي حكاية مستقبلية عن مدينة متخيلة، تأملاً سردياً عميقاً في أحد أكثر أسئلة عصرنا إلحاحاً: “ماذا يحدث عندما يتوقف القناع عن كونه أداة، ويصبح هو الوجه نفسه؟”
من الصفحات الأولى، يضعنا النص أمام التاريخ الطويل للقناع، ليس كأداة للتخفي، بل كاختراع إنساني سبق الفلسفة والسياسة. لقد وُلد القناع، كما يُقترح، من الخوف، ونما بالمكر، قبل أن يتحول إلى نظام كامل لإدارة البشر.
تقع أحداث الرواية في مدينة “نيفارا”، يوتوبيا في المظهر، مرعبة في الجوهر. في هذه المدينة، يُعتبر الوجه البشري “فجوراً” أو خطيئة تقنية، لذا يُجبر الجميع على ارتداء الأقنعة. لا مكان للمشاعر العفوية، ولا مجال للارتجال؛ الأقنعة ليست مجرد غطاء للوجه، بل “نظام تشغيل” كامل يصنف الناس وفق ألوان محددة: أزرق للنخبة، أخضر للموظفين، وأحمر للمراقبين.
يخلق الروائي عالماً كابوسياً أو “ديستوبياً” ببراعة – عالم ما بعد الكارثة أو مدينة فاسدة، حيث تحكم الخوارزميات الضمائر، وتستبدل السماء الحقيقية بشاشات زرقاء، وتُحظر المرايا تماماً، لأن رؤية الذات هي بداية التمرد.
في الأدب، تصف الديستوبيا مجتمعاً مستقبلياً متخيلاً يبدو منظماً، آمناً، أو متقدماً، لكنه في الواقع قائم على القمع، ومصادرة الحرية، وتشويه الإنسانية باسم النظام، أو السعادة، أو المصلحة العامة.
رحلة البحث عن الوجه الأول
تتطور الحبكة عبر شخصية “سيار”، موظف في “وزارة التاريخ الرقمي”. يمثل سيار ذلك الارتعاش الإنساني المتبقي في مجتمع آلي يعمل كالآلات. تبدأ رحلته عندما يشك في البيانات التي يعيد تنسيقها، وعندما تقع بين يديه قطع معدنية قديمة، تذكره بأن هناك عالماً خلف الجدران، عالماً يسكنه “العراة”، أولئك الذين رفضوا الأقنعة.
تساعد الشخصية “نوريا” البطل في هذه الرحلة، وهي تمثل صوت الطبيعة والحقيقة، وكذلك المهرج الأبكم الذي يزوده بمفاتيح لفك رموز “العقل المركزي” الذي يدير المدينة.

لم يُختر البطل من صفوف الثوار أو المتمردين، بل من قلب النظام نفسه؛ موظف أرشيف مهمته تنقية التاريخ الرقمي مما تسميه السلطة “تشويهاً”. لذلك، لا يبدأ تمرده بفعل، بل بسؤال صغير وخطير: هل هذا وجهي الحقيقي؟
في عالم نيفارا، السؤال أخطر من العصيان. الرغبة في رؤية الوجه تعني التشكيك في النظام بأكمله. من هنا تبدأ رحلة البطل نحو “المرآة المحرمة”، حيث يواجه ليس فقط انعكاسه، بل أيضاً ماضيه المسروق، وذاكرته المزروعة، والنسخة من نفسه التي كان يمكن أن يكونها.
فلسفة القناع… من الكهف إلى الشاشة
ما يميز هذا العمل هو “الاستهلال” الفلسفي، الذي يربط بين الإنسان القديم الذي رأى ظله على جدار الكهف، والإنسان المستقبلي الذي يختبئ وراء “فلتر” رقمي. القناع في الرواية ليس مجرد أداة تخفٍ؛ إنه “درع للروح” من هجمات العالم الخارجي، لكنه في الوقت نفسه سجن يحرم مرتديه من الصدق.
تقدم الرواية مفارقة مؤثرة: بعد سنوات من ارتداء الأقنعة، تكتشف الشخصيات أن بعض الأقنعة “كشفت عن دواخلهم أكثر مما أخفت”، وأن نزع القناع يتطلب شجاعة أكبر من شجاعة ارتدائه.
في عالم لم تعد فيه ملامح الوجه بطاقة هوية بل عبئاً يجب إخفاؤه، نواجه أسئلة كبرى، تجعلنا نتساءل: هل نحن الوجوه التي وُلدنا بها؟ أم نحن الأقنعة التي نختارها للتعايش مع العالم؟ ربما السؤال الأعمق الذي يخطر























































































































































































































