“الموضوعية هنا ليست صدق نقل ما يُرى، بل صدق نقل ما نشعر به عندما نرى.” هذا الاقتباس جزء من ملاحظة الفنان في كتيب معرضه “انطباعات موضوعية”، الذي استضافه دار الفنون.
تعكس اللوحات تجربة بديلة لوجه الطبيعة، بعيداً عن ضجيج المدينة، هناك في الريف حيث يمتزج السكون بإيقاع حياة متصالح مع الإنسان والجغرافيا. فيه ينتقل أبجدية الفرشاة من تقنيات اللون إلى محاكاة طقوس ثقافة المكان، “تمنعة”.
مقومات الرقة الريفية
ما تزال “تمنعة” الواقعة على أطراف مدينة مصراتة، تحتفظ إلى حد كبير بمقومات الرقة الريفية. ولأن السؤال يبدو دائماً عالقاً في أذهان سكانها عن المدة التي يمكنها الصمود فيها أمام زحف الخرسانة، كان على الذاكرة أن تستعد لتخزين أي تفاصيل وهامش متاح من تلك العوالم، القريبة مع ذلك من صخب المدينة.
يحاول الريف الصمود بسرديته في مواجهة السردية الجارفة للمدينة المتسعة، التي تتسع لتبتلع أي فضاءات تصادفها، فضاءات رسمها ذوق الطبيعة ونحتها مريدوها ومتبعوها – صداقة إنسانية ما تزال تناضل ضد الظروف وتقاوم الانجراف نحو ثقافة الخرسانة.
نرى في اللوحات الألوان بتدرجاتها تحاول تهجئة حروف الطبيعة والاندماج معها في موسيقى تتحدى لسان الإسفلت وهو يشق جسد القرية. وكذلك أعمدة الإنارة كظلال ترافق الجدران، وحارس يراقب حركة السيارات والأشخاص، شاهداً على الخط الفاصل بين الماضي والحاضر. ونرى أيضاً قوة الألوان الحاضرة في درجات أشجار وتربة وعشب، تعلن عن حضورها وحدودها وتصالحها مع الحداثة بشكل لا يمحو معجمها. هذا ما نشهده في لوحات تُرسم فيها الأشجار على جانبي الطرق، تلاعب السور الخرساني وتقطع استمراريته، كإعلان مباشر عن أهليتها وحقها المادي في الوجود.
–
–
–
تنقلنا الانطباعات إلى معالم قد تكون رأيناها في قرية (القومان) للفنان علي العباني، حيث تذوب تخيلات البيوت في الأفق والاخضرار المتناثر المتماوج يمارس هيمنته على سطح المكان. وقد نلمح في أفق آخر نفساً من فان غوخ، حيث نلاحظ حقلاً مرصعاً بلون ذهبي، مشهداً ينطلق فيه البصر نحو اللانهاية، متحرراً من قيود الجدران. فيه يسمح اقتران الجسد بالطبيعة بحوار داخلي آخر تتعايش فيه الذات مع هواجسها، كرد فعل نفسي يوافق النص الوجودي مع نظيره الروحي.
من الزوايا المظلمة إلى الفضاء المفتوح
يرى الفنان البداية من الصفر، كما يصفها، تعبيراً عن الانطباعات الموضوعية والاعتماد على الحقائق الداخلية، مؤكداً تمثيلها الواقعي عبر الخطوط والألوان على أسطح طازجة لا تفنى ولا تُستحدث – طاقة تتحول من شكل إلى آخر وتنتقل من زوايا مظلمة إلى الفضاء حسب الضرورة الفنية.
من الصفر، ربما هي العودة الأولى إلى حيوية ضربات الفرشاة السريعة، يرافقها حالة تعبيرية تعتمد على العفوية في معظم مراحل إنجاز اللوحة بعد تحديد معالم الموضوع، ليتدخل الذوق والخبرة في تحديد حدودها المنجزة. أو هي من الصفر كأقصر المسافات – مسافة صفر في التعامل والعيش اليومي مع المشاهد الريفية التي تستحق أن تُعاش وترسم باستمرار.
حيث ألوان صريحة متناغمة، ورطوبة أماكن في بداية شتاء مطير، بين طين الأرض وفرشاة حقول الزيتون، تحت سماء أرجوانية في المساء وسماء زرقاء صافية شديدة في وضح النهار. أحراش ونخيل طوال، مساحات خضر بجانب كل أخضر، أخضر آخر، وبينها بقع صفراء شديدة، تتدرج نحو البرتقالي وتقترب من الأحمر، تتوهج بأشعة الشمس الساطعة كأنها حالات لونية معاصرة تزحف بين كاندينسكي وهوكني في تناغم يعزف أوركسترا الوجود في أجمل صوره.
بعد نصف قرن في المدينة
“قضيت أكثر من 50 عاماً في مدينة تسيطر عليها الإنشاءات التجارية والصناعية بأشكالها البراغماتية، كمعظم المدن الليبية بعد الطفرة النفطية التي أوجدت الغزو العمراني المرافق لكثير من العشوائية. ثم انتقلت للعيش في الريف الليبي بمصراتة، في























































































































































































































