وسط استمرار الاعتقال المفروض على المفكر الإسلامي وزعيم حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، وتزامناً مع صدور أحكام متتالية جديدة بحق الشيخ راشد الغنوشي، عادت قضية “الإسلام الديمقراطي” إلى واجهة الجدال السياسي والفكري. هذا العودة تأتي في ضوء التجربة التونسية التي كانت نموذجاً للانتقال الديمقراطي – انتقال شهد، بحسب مراقبين، تراجعاً كبيراً، خاصة مع استمرار اعتقال الغنوشي منذ أبريل 2023 وصدر أحكام ضده، كان آخرها حكماً بالسجن متعلقاً بمراجعات المعاملات المالية لأعضاء البرلمان بعد انتخابات 2019، وهي الدورة التي شغل خلالها الغنوشي منصب رئيس البرلمان.
هذا الواقع يضفي أهمية ملحة لفهم المشروع الفكري الكبير لراشد الغنوشي. ما هو الإرث الفكري الذي يحاول الغنوشي تركه عند مفترق الطريق بين السيادة الإلهية والإرادة الشعبية؟ وما هي أسس مشروع “الديمقراطية المسلمة” الذي ناضل الغنوشي لإرسائه؟

يتناول هذا العمل البارك التحولات الفكرية العميقة التي مر بها الغنوشي، ليس فقط بصفته فقيهاً سياسياً أو زعيماً حزبياً، بل كمفكر حاول إعادة تعريف العلاقة بين الشريعة والديمقراطية، بين السيادة الإلهية والإرادة الشعبية، داخل واقع اجتماعي وسياسي تعددي ومعقد. من خلال حوار موسع مع الغنوشي على مدى سنوات، أمكن تتبع تطور هذه الأفكار وتحليل التوترات القائمة بين المثالي الإسلامي والبراغماتية السياسية.
في هذا الحوار، نستكشف كيف بدأت العلاقة بأفكار الغنوشي وما الذي جذبه إلى مشروعه الفلسفي والسياسي. ثم ننتقل لتحليل أبعاد التحول من الإسلام السياسي إلى الديمقراطية المسلمة، وإشكاليات الشرعية والسيادة والدستور، وصولاً إلى نتائج التجربة التونسية بعد انقلاب قيس سعيد وواقع الإسلام السياسي في عالم عربي يزداد انغلاقاً.

-
كيف بدأت علاقتك بفكر راشد الغنوشي؟ وما طبيعة حواركما القائم على مرجعيتين مختلفتين – واحدة تنتمي للسياق الغربي والأخرى للسياق الإسلامي – في التفاعل مع مفاهيم الحرية والديمقراطية والممارسة السياسية؟
أولاً، اسمح لي أن أتوجه بالتحية للشيخ راشد الغنوشي، الذي لا يزال حتى اليوم في سجون قيس سعيد، في ظروف قاسية وصعوبة بالغة. أتمنى أن نذكره جميعاً، فهو مصدر الأفكار التي نناقشها الآن.
علاقتي بفكر الشيخ الغنوشي بدأت صدفة عندما كنت أقرأ كتابه المهم “الحريات العامة في الدولة الإسلامية”، في سياق بحثي حول أصول الفقه والحداثة وبناء التشريع الإسلامي. لكن الذي لفت انتباهي حقاً كان مفهوم “الخلافة الشعبية”، الذي أصبح لاحقاً الفكرة المحورية التي بنيت عليها رسالة كاملة عن تطور هذه الفكرة من المفهوم الإسلامي الكلاسيكي إلى مرحلة ما بعد الربيع العربي عام 2011.
اكتشفت في فكر الشيخ عمقاً لاهوتياً وفلسفياً يستحق الدراسة جنباً إلى جنب مع النظريات السياسية الغربية. في سياق عملي على سلسلة ترجمات سياسية مع جامعة ييل، قررت اقتراح ترجمة كتاب “الحريات العامة” إلى الإنجليزية. وهكذا بدأت العلاقة المباشرة مع الشيخ، الذي التقيت به لاحقاً خلال فترة الانتقال الديمقراطي في تونس.
عندما أعلنت حركة النهضة رسمياً في 2016 تخليها عن “الإسلام السياسي” وتبنيها “الديمقراطية المسلمة”، زرت الشيخ راشد في منزله واقترحت أن نعمل معاً على مشروع فكري مشترك. الهدف كان بسيطاً وواضحاً:























































































































































































































